مقدمة: ما هي الأخلاق المسيحية؟
تتضمن الأخلاق المسيحية وصايا، لكنها لا تقوم على الوصايا وحدها. بل تقوم على شخص، وعلى ما يحدث للذين يقتربون منه.
«فقط أخبرني بالقواعد»
ذهبت مارينا، وهي في الثانية والعشرين من عمرها، إلى كاهن كنيستها ومعها قائمة: في أحد جانبيها الأمور التي ظنت أنها ممنوعة، وفي الجانب الآخر الأمور التي كانت تأمل أن تكون مسموحة — الملابس، وعلاقة عاطفية، والمبلغ الذي ينبغي أن تقدمه من راتبها، وهل يجوز لها مشاهدة فيلم معيّن أم لا.
قالت: «فقط أخبرني بالقواعد يا أبونا، وأنا سأتبعها».
قرأ أبونا القائمة، ثم سألها سؤالًا لم تكن مستعدة له: «أي نوع من الأشخاص تريدين أن تصيري؟ لقد كتبتِ ما تريدين أن تفعليه، ولكن بعد ثلاثين عامًا، عندما يكبر أولادك ويرحل والداك، أي نوع من الأشخاص تريدين أن تكوني قد صرتِ؟ ابدئي من هنا، وبعد ذلك يمكننا أن نتحدث عن الفيلم».
لم تكن رغبة مارينا شريرة. لقد أرادت أن ترضي الله، لكنها لم تكن تعرف كيف. وقد قدّمت الكنيسة دائمًا إجابات حقيقية عن مثل هذه الأسئلة. لكن مارينا افترضت أن الحياة الأخلاقية ليست في جوهرها أكثر من قائمة بالمسموحات والممنوعات. وإذا ظل الإنسان متمسكًا بهذا الفهم وحده، فإنه في النهاية يُرهَق أو تمتلئ نفسه بالمرارة.
أربع كلمات
الأخلاق العملية هي النمط الفعلي للسلوك الصحيح والخاطئ. أما علم الأخلاق فهو التفكير المنظّم في هذا السلوك: لماذا يُعَدّ فعل ما صحيحًا أو خاطئًا؟ وكيف يمكننا أن نعرف ذلك؟ واللاهوت الأخلاقي هو دراسة الأخلاق في نور الإعلان الإلهي. أما النسك — والكلمة اليونانية askēsis تعني التدريب، مثل تدريب الرياضي — فهو النظام العملي الذي يعيد ترتيب رغبات الإنسان وعاداته وجسده، ويوجهها نحو الله.
وهذا يفسر لماذا يتحدث المسيحي الأرثوذكسي في الوقت نفسه عن الامتناع عن الجبن في الصوم وعن مسامحة العدو. فالتدريبات الصغيرة تدرّب الإرادة على مواجهة الأمور الكبيرة. والإنسان الذي لا يستطيع أن يرفض طبقًا من الطعام في الظهر، لا ينبغي أن يثق كثيرًا بقدرته على رفض تجربة أشد في منتصف الليل.
الحقيقة الأخلاقية وأصلها في الله
الحقيقة الأخلاقية موضوعية؛ فبعض الأمور صحيحة أو خاطئة فعلًا، سواء اعترف بذلك شخص أو مجتمع أو عصر أم لم يعترف. كانت العبودية شرًا حتى عندما كانت قانونية ومربحة، وحتى عندما دافع عنها بعض الوعّاظ من فوق المنابر. وليس هذا الكلام نوعًا من الغرور، بل هو الطريق الوحيد لفهم معنى التقدم الأخلاقي. فالتقدم يحتاج إلى معيار يتحرك المجتمع نحوه، ولا يمكن أن يكون هذا المعيار مجرد ما يؤمن به المجتمع في الوقت الحالي.
كثيرًا ما تتكرر النسبية الأخلاقية، لكن من الصعب جدًا أن يعيش الناس وفقًا لها. فالذين يقولون عن إساءة معاملة الضعفاء: «قد يكون هذا صحيحًا بالنسبة إليك فقط»، نادرًا ما يقولون الشيء نفسه عندما يصبحون هم الضعفاء الذين يتعرضون للإساءة.
ولكن من أين تأتي هذه الحقيقة؟ يوضح أفلاطون المشكلة في محاورة أوثيفرو: هل يكون الفعل صالحًا لأن الله يأمر به، أم أن الله يأمر به لأنه صالح؟ إذا كان الاحتمال الأول صحيحًا، بدا الصلاح أمرًا اعتباطيًا. وإذا كان الثاني صحيحًا، بدا الله مجرد ناقل لمعيار أعلى منه.
يرفض التقليد المسيحي كلا الاحتمالين. فالصلاح هو من طبيعة الله ذاتها. الله لا يرجع إلى معيار خارج عنه، ولا يخترع معيارًا من عنده، بل تنبع وصاياه مما هو عليه منذ الأزل. وعبارة «الله محبة» (يوحنا الأولى ٤: ٨) تصف كيانه، لا حالته المزاجية. ولهذا لا يمكن أن يأمر بالقسوة؛ ليس لأن قاعدة أعلى منه تمنعه، بل لأن القسوة تتعارض مع طبيعته.
لذلك، ليست وصايا الله اختبارات اعتباطية لقياس ولائنا له، بل هي وصف للحياة السليمة. فالوصية التي تمنع الزنا ليست قيدًا فُرض على نشاط جيد في ذاته، بل تحذير مسبق من أمر يدمر الناس، يقدمه لنا من يعرف الحقيقة كاملة.
الناموس الطبيعي والضمير
إذا كان الله قد خلق العالم، فلا بد أن تكون بعض مقاصده ظاهرة فيه ويمكن فهمها. والناموس الطبيعي هو النظام الأخلاقي الذي يستطيع العقل والضمير إدراكه من دون إعلان إلهي خاص. ويشير القديس بولس إلى ذلك عندما يقول إن الأمم الذين ليس عندهم ناموس موسى يُظهرون عمل الناموس مكتوبًا في قلوبهم، وتشهد لهم ضمائرهم أيضًا (رومية ٢: ١٤–١٥).
ولهذا تتشابه المبادئ الأخلاقية الأساسية بين البشر بصورة لافتة. فلم توجد ثقافة تمجّد الجبن في الحرب، أو خيانة الأصدقاء، أو القسوة على الأبناء. قد تختلف الثقافات — وأحيانًا بصورة مرعبة — حول من ينبغي أن يدخل ضمن دائرة واجباتنا الأخلاقية. لكنها تختلف بدرجة أقل كثيرًا حول طبيعة واجبنا تجاه الشخص بعد إدخاله في هذه الدائرة.
الضمير هو القدرة التي ندرك بها الصفة الأخلاقية لفعل معين. وهو قدرة حقيقية أعطاها الله للإنسان، لكنها تضررت في البشر الساقطين. فقد يكون الضمير مستنيرًا وسليم التكوين بفضل الكتاب المقدس، وتعليم الكنيسة، والمشورة الحكيمة، وفحص النفس بأمانة. وقد يكون غير مستنير، وهذا أمر شائع ويمكن العذر فيه. وقد يكون موسوسًا، فيدين أمورًا ليست خطية، وينتج قلقًا وسعيًا إلى الكمال لا علاقة له بالقداسة. وقد يكون قاسيًا، إذ يضعف صوته تدريجيًا بسبب تكرار الاختيارات الخاطئة، إلى أن يتوقف الإنسان عن الشعور بما كان يشعر به من قبل.
لذلك لا تكفي عبارة: «اتبع ضميرك» بوصفها الكلمة الأخيرة. فنحن ملزمون بأن نُعلّم ضميرنا ونكوّنه تكوينًا سليمًا، كما نحن ملزمون بطاعته. ومع ذلك، لا ينبغي للإنسان أبدًا أن يتصرف ضد ضمير صادق، حتى لو كان هذا الضمير مخطئًا؛ لأن فعل ذلك يدرّبه على تجاهل ضميره. فالضمير المخطئ يحتاج إلى التعليم والتصحيح، لا إلى القمع والتجاوز.
صورة الله
يقوم كل شيء على هذه العبارة: «فَخَلَقَ اللهُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِهِ. عَلَى صُورَةِ اللهِ خَلَقَهُ» (تكوين ١: ٢٧). وحمل الإنسان لصورة الله يعني أنه يمتلك العقل، والحرية، والمسؤولية الأخلاقية، والقدرة على الإبداع، وفوق كل ذلك القدرة على الدخول في علاقة مع الله.
رأى القديس غريغوريوس النيسي أن صورة الله تظهر بصورة خاصة في قدرة العقل البشري على معرفة الله، وفي حرية الإنسان. وعلّم أن هذه الصورة ليست ختمًا ثابتًا لا يتحرك، بل شبهًا حيًا ينبغي أن ينمو. وينتج عن ذلك ثلاث حقائق.
كرامة الإنسان أصيلة فيه، وليست شيئًا يكتسبه. فلا تزيد كرامته بزيادة ذكائه أو صحته أو إنتاجيته أو فضيلته أو جماله، ولا تنقص بفقدان أي منها. فالشخص المصاب بمرحلة متقدمة من الخرف لم يصبح أقل إنسانية. وقد يفقد السجين حريته بعدل، لكنه لا يفقد إنسانيته. والجنين، واللاجئ، والأرملة المسنّة، والعدو الموجود على الجانب الآخر من ساحة القتال، جميعهم لهم القيمة الإنسانية نفسها التي لك.
الكرامة تشمل الجميع. فهي تشمل كل الأعراق والطبقات، والجنسين، والأصحاء وذوي الإعاقة، والمؤمنين والملحدين، والأصدقاء والأعداء. عاش غريغوريوس النيسي في القرن الرابع، في عالم لم يكن يشكك في العبودية، ومع ذلك قال إن شراء إنسان وبيعه يعني ادعاء امتلاك شخص يحمل صورة الله، ولا يمكن أن يساوي ثمنه إلا الخليقة كلها. صحيح أن الكنيسة لم تعش دائمًا بحسب تعليمها، لكن التعليم نفسه كان موجودًا.
صورة الله هي السبب في أن محبة القريب ليست أمرًا اختياريًا. فقد قال القديس يوحنا ذهبي الفم لجماعة غنية إن الإنسان الذي يكرم الكأس المقدسة على المذبح، ثم يتخطى جائعًا عند باب الكنيسة، لم يفهم معنى أي منهما. فلا يمكنك أن تكرم صورة المسيح في الأيقونة، ثم تحتقر صورته في إنسان.
الخطية جرح والخلاص شفاء
ولكن إذا كان الإنسان يحمل صورة الله، فلماذا يبدو تاريخ البشرية بهذا السوء؟ لم تكن السقطة مجرد عقوبة قانونية، بل كانت جرحًا أصاب كيان الإنسان. فقد دخل الموت، وأظلم العقل، واضطربت الرغبات، وصارت الإرادة منقسمة على ذاتها.
قدّم اللاهوت الغربي، وخصوصًا في صوره الشعبية، الخطية في الأساس من خلال مفاهيم قانونية، مثل الجريمة والدَّين والعقوبة. ولا ينكر التقليد الشرقي أن الخطية تسيء إلى الله إساءة حقيقية، لكنه يضع التأكيد في موضع آخر: الخطية مرض أصاب طبيعة خُلقت من أجل الله، ولذلك يكون الخلاص شفاءً.
هكذا يعرض القديس أثناسيوس عمل المسيح كله في كتابه تجسد الكلمة. كانت البشرية تتحلل وتعود نحو العدم الذي خُلقت منه، فتجسّد الكلمة ليوقف هذا الفساد من داخل الطبيعة البشرية نفسها.
وهذا ليس مجرد اختلاف في الكلمات. فإذا كانت الخطية جريمة فقط، تكون المحكمة هي المؤسسة المناسبة للتعامل معها. أما إذا كانت الخطية مرضًا أيضًا، فتكون الكنيسة مستشفى، ويصبح الاعتراف أقرب إلى مقابلة مع الطبيب منه إلى محاكمة. والكاهن ليس في الأساس قاضيًا يقدّر حجم الذنب، بل طبيبًا يفحص جرحًا. فهو لا يسأل فقط عما فعلته، بل يسأل أيضًا: كيف بدأ الأمر؟ وما الذي يغذّيه؟ وما الذي سيشفيه فعلًا؟
ولا تزال صراحة القديس بولس تعزينا: «لأَنِّي لَسْتُ أَفْعَلُ الصَّالِحَ الَّذِي أُرِيدُهُ» (رومية ٧: ١٩). فنحن لسنا أشرارًا تمامًا، ولا صالحين تمامًا؛ بل نحن منقسمون من الداخل، وندرك ذلك، ولا نستطيع إصلاح أنفسنا بقوتنا وحدها.
ويجب أن نتجنب خطأين. الأول هو الاعتقاد بأنه لم يبقَ فينا أي صلاح؛ فصورة الله قد تشوهت، لكنها لم تُمحَ، والصلاح الموجود لدى غير المؤمنين صلاح حقيقي وليس زائفًا. والخطأ الثاني هو اعتبار الخطية مجرد مجموعة من الحوادث المؤسفة التي يمكن إصلاحها ببذل جهد أكبر. فهذا التفكير يولّد الكبرياء عندما ننجح، واليأس عندما نفشل.
النعمة والهدف من كل شيء
الأخلاق المسيحية، في أساسها، ليست مطلبًا مفروضًا علينا، بل استجابة لعملية إنقاذ. فقد صار الكلمة إنسانًا، بجسد بشري حقيقي وعقل وإرادة بشريين حقيقيين، و«مُجَرَّبٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِثْلُنَا، بِلاَ خَطِيَّةٍ» (عبرانيين ٤: ١٥). ولذلك لا تعني عبارة «بلا خطية» أن الطاعة كانت سهلة بالنسبة إليه.
لقد مات موتًا لم يكن يستحقه، وقام، وحطم الموت من الداخل. وفي يوم الخمسين حلّ الروح القدس، لكي يصير ما أتمه المسيح من أجلنا عاملًا فينا. وقد قدّم القديس أثناسيوس العبارة الأساسية في التقليد السكندري: صار الله إنسانًا لكي يصير الإنسان إلهًا؛ أي لكي يصير البشر «شُرَكَاءَ الطَّبِيعَةِ الإِلَهِيَّةِ» (بطرس الثانية ١: ٤) بالنعمة، من دون أن يتوقفوا أبدًا عن كونهم مخلوقات.
هذا هو التألّه. وهو لا يعني أننا نصير آلهة أخرى، بل يعني اتحادًا حقيقيًا بالله، نتغيّر فيه ونستنير، مع بقاء كل واحد منا محتفظًا بكيانه. ومثلما تتوهج قطعة الحديد الموضوعة في النار من دون أن تتوقف عن كونها حديدًا، يتغير الإنسان باتحاده بالله من دون أن يتوقف عن كونه إنسانًا.
القداسة ليست الثمن الذي ندفعه لكي يسمح لنا الله بالدخول، بل هي صورة الغاية التي نسير نحوها، والتي تبدأ منذ الآن. ولذلك تقف حقيقتان معًا، رغم أنهما تبدوان متعارضتين. نحن نخلص بالنعمة، لا بأدائنا الأخلاقي. فلا أحد يستطيع أن يستحق محبة الله، ومحاولة استحقاقها ليست تواضعًا، بل نوع خفي من الكبرياء.
وفي الوقت نفسه، لا تتركنا النعمة كما نحن. فالإيمان الذي لا يغيّر شيئًا في طريقة معاملة الإنسان لزوجته، أو استخدامه لأمواله، أو تعامله مع أعدائه، ليس هو الإيمان الذي يصفه العهد الجديد: «هكَذَا الإِيمَانُ أَيْضًا، إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَعْمَالٌ، مَيِّتٌ فِي ذَاتِهِ» (يعقوب ٢: ١٧). نحن لا نطيع لكي يحبنا الله، بل نطيع لأن الله يحبنا. والمحبة التي لا تغيّر شيئًا ليست أكثر من شعور.
الفضيلة والعادة
كان كاهن مارينا يقف داخل تقليد قديم جدًا. الفضيلة هي استعداد ثابت لفعل الخير؛ أي صفة راسخة في شخصية الإنسان، وليست مجرد فعل منفرد.
حددت الفلسفة الكلاسيكية أربع فضائل أساسية: الحكمة العملية، أي رؤية ما يتطلبه الموقف فعلًا؛ والعدل؛ والشجاعة؛ وضبط النفس. وقَبِل التقليد المسيحي هذه الفضائل، وأضاف إليها ثلاث فضائل لاهوتية، وهي عطايا وليست إنجازات بشرية: الإيمان، والرجاء، والمحبة (كورنثوس الأولى ١٣: ١٣).
وقد درس آباء البرية الأهواء: الشَّرَه، والشهوة، ومحبة المال، والغضب، والحزن، والفتور الروحي، والمجد الباطل، والكبرياء. وضع إفاغريوس هذا التصنيف، ونقله القديس يوحنا كاسيان إلى الغرب، وعُرف بعد ذلك باسم «الخطايا السبع المميتة».
وليس الأصل المصري لهذا التصنيف أمرًا عابرًا. فقد كان الرهبان أوائل علماء النفس التجريبيين الكبار في العالم المسيحي. ولا يزال وصفهم للطريقة التي تصل بها الفكرة إلى العقل، ثم ينشغل بها الإنسان، وبعد ذلك يقبلها، فتقسو وتتحول إلى عادة، ثم تنتهي به إلى العبودية، أكثر فائدة من معظم ما كُتب حديثًا في هذا الموضوع.
وهنا نقطتان مهمتان.
الفضيلة تتكوّن بالتكرار. فلا أحد يصير صبورًا بمجرد إعجابه بالصبر. وأنت تصير أمينًا عندما تقول الحق في المواقف الصغيرة التي يكون فيها الكذب أسهل، والتي لن يعرف فيها أحد أنك كذبت. ولهذا تحدد الكنيسة تدريبات روحية — الصوم، والصلوات المنتظمة، والصدقة، والاعتراف، وسر الإفخارستيا — ولا تكتفي بتشجيع النيات الصالحة. فالشخصية تُبنى كما تُبنى العضلات.
الفعل والدافع كلاهما مهم. ويسأل التقليد ثلاثة أسئلة عن كل عمل: ما طبيعة الفعل نفسه؟ وما نيتي؟ وما الظروف والنتائج المتوقعة؟ لا يستطيع الدافع الصالح أن يجعل الفعل الخاطئ صوابًا؛ فلا يجوز للإنسان أن يكذب أمام المحكمة بدافع الولاء لصديق. وفي الوقت نفسه، يكون الفعل الصحيح الصادر عن دافع فاسد بلا قيمة روحية، كما حذر المسيح من تقديم الصدقة لكي يمدحنا الناس (متى ٦: ١–٤).
الناموس والتطويبات والوصيتان العظميان
أُعطيت الوصايا العشر بعد إنقاذ الشعب من مصر. لم يقل الله: «احفظوا هذه الوصايا، وعندئذ أحرركم»، بل كان المعنى: «لقد حررتكم؛ وهذه هي الطريقة التي يعيش بها الأحرار». فالناموس يأتي بعد النعمة في العهد القديم، تمامًا كما يحدث في العهد الجديد.
يميّز التقليد بين الناموس الأخلاقي، وهو دائم لأنه متأصل في طبيعة الله والطبيعة البشرية؛ والناموس الطقسي، الذي يشمل الذبائح والكهنوت وقواعد الطهارة، وقد تحقق في المسيح، لأنه هو الذبيحة والكاهن معًا؛ والناموس المدني، وهو القوانين التي نظمت حياة أمة إسرائيل.
وهذا التمييز مفيد فعلًا؛ فهو يفسر لماذا يجوز للمسيحي أن يأكل بعض الأطعمة التي منعها ناموس العهد القديم، بينما لا يجوز له أن يشهد بالزور. لكن ينبغي استخدام هذا التمييز بأمانة، لا باعتباره وسيلة للاحتفاظ بالوصايا التي تعجبنا فقط.
لم يخفف المسيح الناموس الأخلاقي، بل عمّقه. فقد جاء لا لينقض بل ليكمل (متى ٥: ١٧)، ونقل كل وصية من الفعل الخارجي إلى أعماق القلب: فلم يعد الأمر يتعلق بالقتل فقط، بل أيضًا باحتقار الآخرين؛ ولا بالزنا فقط، بل أيضًا بالنظرة الشهوانية (متى ٥: ٢١–٣٠). لا تكتفي الأخلاق المسيحية بسجل خارجي خالٍ من الأخطاء؛ بل تهدف إلى تغيير القلب، لأن القلب هو الذي سيتجدد ويتغير.
إذا كانت الوصايا تحدد الحدود، فإن التطويبات ترسم صورة الإنسان: مسكين بالروح، وحزين على الخطية، ووديع، وجائع وعطشان إلى البر، ورحيم، ونقي القلب، وصانع سلام، ثم — وهذا أمر يجعلنا نتوقف ونفكر — مضطهد من أجل البر.
هذه ليست أوامر بالمعنى المعتاد، فلا يستطيع أحد أن يقرر بقوة إرادته أن يصير مسكينًا بالروح قبل موعد الغداء. بل هي تصف شخصية تتكوّن بمرور الوقت، وحياة لا يكافئها العالم. ولهذا تنتهي القائمة بالحديث عن الاضطهاد. والكنيسة القبطية، التي يبدأ تقويمها بعصر الشهداء، لم تستطع قط أن تتظاهر بأن الأمر مختلف.
وعندما سُئل المسيح عن الوصية العظمى، ذكر وصيتين وربطهما معًا: أن تحب الله بكل كيانك، وأن تحب قريبك كنفسك (متى ٢٢: ٣٧–٤٠). وهذا هو مفتاح تفسير التقليد الأخلاقي كله. فإذا قادنا تفسير وصية ما إلى نتيجة لا تعبّر عن محبة الله ولا محبة القريب، نكون قد أسأنا فهمها.
أما عبارة القديس أغسطينوس التي كثيرًا ما أُسيء استخدامها — «أحبب، وافعل ما تشاء» — فلا تبيح أي شيء. بل تعني بكل جدية أن المحبة الحقيقية التي يسكبها الروح القدس في الإنسان لن ترغب أبدًا في شيء يؤذي المحبوب. وإذا فصلنا هذه العبارة عن معناها الكتابي العميق، فإنها تتحول إلى العاطفة السطحية نفسها التي يقاومها هذا الكتاب.
ولاحظ أيضًا عبارة «كنفسك». يفترض الكتاب المقدس وجود تقدير سليم للذات يكون مقياسًا لمحبة القريب. فكراهية النفس ليست تواضعًا، بل كثيرًا ما تكون كبرياء انقلبت إلى الداخل. وهي تجعل الإنسان أقل قدرة على محبة الآخرين، لا أكثر.
الروح القدس والكنيسة والحرية
كان كل ما سبق سيصبح عبئًا ساحقًا لو كان مجرد برنامج لتطوير الذات، لكنه ليس كذلك. يدعو القديس بولس علامات الحياة المتغيرة «ثمر الروح»: المحبة، والفرح، والسلام، وطول الأناة، واللطف، والصلاح، والإيمان، والوداعة، والتعفف (غلاطية ٥: ٢٢–٢٣).
الثمر ينمو ولا يُصنَّع. عمل البستاني حقيقي وضروري، لكنه ليس هو الحياة الكامنة داخل البذرة. فالإنسان الذي يصارع عادة معينة لا يحتاج فقط إلى محاولة أقوى. نعم، للجهد مكانه، وكذلك لمحاسبة النفس، والابتعاد عن أسباب التجربة، والحصول على علاج متخصص عند الحاجة. لكن العمل الأعمق هو عمل الله: «لأَنَّ اللهَ هُوَ الْعَامِلُ فِيكُمْ أَنْ تُرِيدُوا وَأَنْ تَعْمَلُوا مِنْ أَجْلِ الْمَسَرَّةِ» (فيلبي ٢: ١٣).
الصلاة، والأسرار، وتدريبات الكنيسة ليست إضافات إلى الأخلاق المسيحية، بل هي الطرق التي تصل بها النعمة فعلًا إلى حياة الإنسان. ومحاولة الوصول إلى العفة، أو الأمانة، أو الامتناع عن الإدمان بقوة الإرادة وحدها، من دون صلاة أو اعتراف أو إفخارستيا أو شركة مع المؤمنين، تشبه محاولة زراعة شجرة داخل خزانة مغلقة.
يتخيل الفكر الأخلاقي الحديث فردًا وحيدًا يتخذ قراراته، أما الأخلاق المسيحية فتفترض وجود جماعة. تشكّلنا الكنيسة بكلمات القداس الإلهي التي تتكرر حتى تصبح جزءًا ثابتًا من طريقة تفكيرنا. وتشكّلنا بتقويم كنسي يدرّب رغباتنا من خلال التناوب بين الصوم والأعياد. وتشكّلنا بالقديسين الذين يوضحون لنا كيف تبدو الوصايا عندما تتجسد في حياة إنسان. كما تشكّلنا من خلال أناس لم نخترهم بأنفسنا، وهنا تتوقف محبة القريب عن كونها فكرة نظرية.
والكنيسة تشفي أيضًا. فالاعتراف ليس إذلال إنسان خاطئ أمام شخص أعلى منه، بل هو كشف الجرح في نور الله، في حضور كاهن ملتزم بسرية كاملة، وقد سمع كل شيء من قبل ولن يصدمه شيء. ومهمته هي إعطاء الحلّ والإرشاد نحو الشفاء: يساعد المعترف على فهم الطريقة التي سقط بها، ويصف له طريقًا للعلاج — تدريبًا روحيًا، أو أحيانًا فترة قبل العودة إلى التناول، أو إحالة إلى طبيب أو معالج نفسي.
ولأن الكنيسة مستشفى، يجب أن تكون مكانًا آمنًا. فالمستشفى الذي يؤذي مرضاه يصير عكس ما ينبغي أن يكون عليه. وأي حديث عن الأخلاق المسيحية يُكتب في هذا القرن يجب أن يقول بوضوح إن الكنيسة كانت أحيانًا المكان الذي تعرض فيه الضعفاء للأذى. ولا ندافع عن كرامة الكنيسة بإخفاء ذلك، بل بالتوبة عنه.
وأخيرًا، لا تعني الحرية غياب كل القيود. فالشخص المدمن على القمار، الذي لا يمنعه أحد من شيء، يبدو حرًا تمامًا بالمفهوم الحديث، بينما هو يخسر بيته. وكل من فعل في منتصف الليل ما أقسم عند الظهر أنه لن يفعله، يعرف أن العائق لم يكن خارجيًا.
قال المسيح إن كل من يفعل الخطية هو عبد للخطية، وإن الابن هو الذي يحرر الإنسان فيصير بالحقيقة حرًا (يوحنا ٨: ٣٤–٣٦). فالحرية هي القدرة الفعلية على ممارسة الخير الذي نعرفه. وهي حالة الإنسان الذي صارت رغباته وحكمه متفقين، ولم يعودا في حرب داخله. ولذلك ليست تدريبات الكنيسة قيودًا على الحرية، بل تدريبًا عليها. فعازف البيانو الذي تدرب على السلالم الموسيقية عشر سنوات يكون أكثر حرية على الآلة، لا أقل.
لماذا لا تعني المحبة الموافقة على كل شيء؟
تقف خلف كثير من الخلافات التي يناقشها هذا الكتاب قناعة شائعة في عصرنا: أن تحب إنسانًا يعني أن توافق على اختياراته، وأن ترفض أحد اختياراته يعني أنك ترفضه هو شخصيًا.
ينبغي للمسيحيين أولًا أن يعترفوا بجانب الحق في هذه الفكرة. فكثيرًا ما عُبّر عن عدم الموافقة في صورة رفض للشخص. فعندما تتوقف أسرة عن الحديث مع أحد أبنائها، أو تتناقل جماعة الكنيسة كلامًا عن امرأة مطلقة، أو يسمع شاب من فوق المنبر أن أشخاصًا مثله يثيرون الاشمئزاز، لا تكون الرسالة التي تصله: «أنا أحبك، لكنني أعتقد أنك مخطئ»، بل: «لا مكان لك هنا». ويجب على الكنيسة أن تعترف بمسؤوليتها عن بعض هذا السلوك.
ومع ذلك، لا يمكن أن تكون المحبة مجرد موافقة، ولا أحد يعيش فعلًا كما لو كانت كذلك. فالوالدان لا يوافقان على كثير من تصرفات أولادهما، وهذا يبرهن على محبتهما ولا يقلل منها. والأصدقاء الذين يهتمون بنا يقولون لنا ما لا نريد أن نسمعه. والطبيب الذي يصارح مريضًا بحقيقة حالة كبده لا يهاجمه.
وفي كل علاقة وثيقة نميز بين الشخص، الذي نحبه بلا شروط، وبين الفعل، الذي نقيّمه بأمانة. وما يجب على الكنيسة أن تقدمه لكل إنسان هو المحبة غير المشروطة، والاحترام الدائم، والحماية من القسوة، والترحيب الحقيقي، والصدق.
لكنها لا تستطيع أن تغيّر ما تؤمن بأنه الحق لمجرد تجنيب شخص ما الشعور بعدم الارتياح. فالكنيسة التي تعدّل تعليمها لكي ترضي الناس لا تنفع أحدًا، وأقل من تنفعه هو الشخص الذي تحاول إرضاءه؛ لأنه جاء يبحث عن الله، فأعطته الكنيسة مرآة لا تُريه سوى نفسه.
من السهل التعبير عن هذا المبدأ بالكلمات، لكن من الصعب تجسيده في الحياة. وستتناول الصفحات التالية تطبيقه على المواقف المختلفة، موقفًا بعد موقف.
Add comment
Comments