أساس الحياة الأخلاقية المسيحية ١
قاعة دراسية وسؤال لم يختفِ
كان مينا في التاسعة عشرة من عمره. وكان في الأسبوع الثاني من مادة الفلسفة التي اختارها لأنها بدت له ممتعة. كان هو الشخص الوحيد في القاعة الذي ذهب إلى الكنيسة في ذلك الأحد، لكنه لم يكن يعرف ذلك بعد.
عرضت المُحاضِرة على الطلاب حالة للنقاش:
هناك مجتمع يعيش منعزلًا تمامًا عن بقية العالم. وقد اتفق جميع أفراده على استخدام أقلية معينة بينهم لإجراء التجارب الطبية عليها. لم يتضرر أحد من خارج المجتمع. وكان المجتمع مستقرًا ومزدهرًا، وكان أفراده راضين عن حياتهم. كما كانوا مخلصين في اعتقادهم أن ما يفعلونه صحيح.
سألت المُحاضِرة:
«هل يفعل هذا المجتمع شيئًا خاطئًا؟ وإذا كانت إجابتكم نعم، فعلى أي أساس؟ أخلاق مَن تطبّقونها على شعب لم يوافق عليها أصلًا؟»
قالت فتاة تجلس بالقرب من الصف الأمامي إن ما يفعله هذا المجتمع خطأ بالتأكيد، وإن هذا أمر واضح يستطيع الجميع رؤيته.
فسألتها المُحاضِرة بهدوء أن تشرح ماذا تقصد بكلمة «واضح». وهل تستطيع أن تقدّم سببًا لا يكون مجرد تكرار لشعورها القوي بأن هذا الفعل خطأ؟
لم تستطع الفتاة أن تجيب. شعرت بالضيق أولًا، ثم بدأت تفكر، وبعد ذلك التزمت الصمت.
لم يقل مينا شيئًا طوال الساعة. لم تكن الحُجّة نفسها هي التي أقلقته، بل اكتشافه أنه هو أيضًا لا يستطيع الإجابة عنها.
كان يؤمن دائمًا بأن بعض الأمور خطأ في ذاتها. لكنه لم يسأل نفسه من قبل: لماذا هي خطأ؟ وماذا سيحدث لهذا الاعتقاد إذا بدأ يفحص أساسه بجدية؟
عاد إلى بيته، ونظر إلى الأيقونة الموجودة في ركن غرفته، وفكّر:
«لقد كانت الإجابة أمامي طوال حياتي، لكنني لم أتعلم قط كيف أعبّر عنها.»
هذا الفصل من أجل مينا.
ما القضية الحقيقية؟
إذا أبعدنا الكلمات الفلسفية المعقدة، فسوف نجد أمامنا ثلاثة أسئلة. وكثيرًا ما يخلط الناس بينها.
السؤال الأول يتعلق بالوجود:
هل توجد حقائق أخلاقية بالفعل؟ هل توجد أمور صحيحة وأخرى خاطئة، بغضّ النظر عمّا يعتقده الناس؟ أم أن العبارات الأخلاقية ليست سوى تعبير عن المشاعر أو التفضيلات الشخصية أو عادات المجتمع، مثل قول شخص: «أنا لا أحب الكزبرة»؟
السؤال الثاني يتعلق بالمعرفة:
إذا كانت الحقائق الأخلاقية موجودة، فكيف يعرفها الإنسان؟ هل يعرفها بالعقل، أم بالضمير، أم بإعلان الله، أم بالتربية التي تلقّاها؟
السؤال الثالث يتعلق بالأساس:
إذا كانت الحقائق الأخلاقية موجودة، فما الذي يجعلها حقائق؟ ما الموجود في طبيعة الكون الذي يجعل القسوة خطأ حقيقيًا؟
قد يؤمن شخص ملحد إيمانًا قويًا بوجود حقائق أخلاقية، وبأن الإنسان يستطيع معرفتها، لكنه يقدّم تفسيرًا مختلفًا لأساسها.
وقد يؤمن المسيحي بوجود أخلاق موضوعية ثابتة، ومع ذلك يعترف بكل حرية أن غير المؤمنين قد يدركون هذه الحقائق الأخلاقية أحيانًا بصورة أوضح من بعض المؤمنين.
الخلط بين هذه الأسئلة يؤدي إلى ظهور اثنتين من أسوأ الحُجج في هذا الموضوع.
الحُجّة الأولى تأتي من المسيحي الذي يقول:
«من دون الإيمان بالله لا يستطيع الإنسان أن يكون صالحًا.»
هذا الكلام غير صحيح ويحمل إهانة للآخرين.
أما الحُجّة الثانية فتأتي من المتشكك الذي يقول:
«المؤمنون يفعلون الخير فقط لأنهم يخافون العقاب.»
وهذا أيضًا غير صحيح ويحمل الإهانة نفسها.
دعوني أوضح الأمر قدر الإمكان.
يمكن للملحدين أن يكونوا أشخاصًا أصحاب أخلاق عظيمة، وكثيرًا ما يكونون كذلك بالفعل. وقد يكون بعضهم أفضل أخلاقيًا من بعض الذين يذهبون إلى الكنيسة.
والمسيحيون الذين ينكرون هذه الحقيقة يناقضون تعليمهم عن صورة الله في الإنسان. فعدم الإيمان لا يمحو صورة الله من الإنسان.
الادعاء المسيحي لا يتعلق بالسؤال: مَن يتصرف بطريقة جيدة؟
لكنه يتعلق بسؤالين أعمق:
- ما الذي يجعل الأحكام الأخلاقية صحيحة؟
- وهل يستطيع التفسير المادي البحت للكون أن يحمل الثقل الأخلاقي الذي نضعه جميعًا على الحياة، سواء كنا مؤمنين أم غير مؤمنين؟
شهادة الكتاب المقدس
لا يحاول الكتاب المقدس أن يبرهن على وجود الحق الأخلاقي، بل يتعامل معه باعتباره حقيقة أساسية. إنه يفعل ذلك كما يفترض كتاب الملاحة وجود البحر.
في العهد القديم، تظهر وصايا الله الأخلاقية على أنها نابعة من طبيعة الله نفسه. كان على شعب إسرائيل أن يكون مقدسًا لأن الرب قدوس:
«تَكُونُونَ قِدِّيسِينَ لأَنِّي قُدُّوسٌ الرَّبُّ إِلهُكُمْ»
(لاويين ١٩: ٢)
لم تُعطَ الوصايا باعتبارها مجموعة من القوانين التي وضعها الله بلا سبب، بل باعتبارها شروط عهد مع إله سبق أن عمل من أجل خلاص شعبه.
ويؤكد سفر التثنية أن هذه الشريعة ليست بعيدة عن الإنسان ولا يستحيل معرفتها، بل هي قريبة منه، في فمه وفي قلبه (تثنية ٣٠: ١١–١٤).
ومن الأمور المهمة جدًا أن العهد القديم يحاسب أيضًا الأمم التي كانت خارج شعب إسرائيل على أفعالها الأخلاقية.
فقد أدان الأنبياء أشور وبابل وأدوم وصور وموآب بسبب الجرائم التي ارتكبوها، مع أن هذه الشعوب لم تتسلّم شريعة موسى (عاموس ١–٢؛ إشعياء ١٣–٢٣).
ولا يمكن فهم ذلك إلا إذا كان المعيار الأخلاقي عامًا ينطبق على جميع البشر.
بل إن إبراهيم تحدّث مع الله على أساس أن الله نفسه عادل دائمًا، فقال:
«أَدَيَّانُ كُلِّ الأَرْضِ لاَ يَصْنَعُ عَدْلًا؟»
(تكوين ١٨: ٢٥)
يفترض هذا السؤال أن الصواب ليس مجرد ما يختار الله أن يفعله في يوم معين، بل إن العدل جزء من طبيعة الله نفسه. وكان كلٌّ من الله وإبراهيم يعرف معنى العدل.
وتربط أسفار الحكمة المعرفة الأخلاقية بمخافة الرب:
«بَدْءُ الْحِكْمَةِ مَخَافَةُ الرَّبِّ»
(أمثال ٩: ١٠)
ويلخّص ميخا مطلب الأنبياء كله في عبارة واحدة:
«وَمَاذَا يَطْلُبُهُ مِنْكَ الرَّبُّ، إِلاَّ أَنْ تَصْنَعَ الْحَقَّ وَتُحِبَّ الرَّحْمَةَ، وَتَسْلُكَ مُتَوَاضِعًا مَعَ إِلهِكَ؟»
(ميخا ٦: ٨)
وفي العهد الجديد، عمّق السيد المسيح الشريعة الأخلاقية، وأوضح أن مركزها الحقيقي هو القلب، كما رأينا.
ويشرح القديس بولس بوضوح أن المعرفة الأخلاقية موجودة عند جميع البشر. فحتى الذين لم يحصلوا على الشريعة المكتوبة يُظهرون عملها مكتوبًا في قلوبهم، ويشهد لهم ضميرهم (رومية ٢: ١٤–١٥).
ويحذّر القديس يعقوب من التديّن الذي لا ينتج عنه أي تغيير أخلاقي في حياة الإنسان (يعقوب ١: ٢٢–٢٧).
أما القديس يوحنا فيكشف لنا مصدر المحبة والصلاح:
«اللهُ مَحَبَّةٌ»
(يوحنا الأولى ٤: ٨)
لكن يجب أن ننتبه إلى الطريقة التي نستخدم بها الكتاب المقدس.
عندما ندافع عن موقف أخلاقي، قد نميل إلى اختيار آية واحدة، ثم نتعامل معها وكأنها الدليل النهائي الذي أنهى كل النقاش.
سيحاول هذا الكتاب ألا يفعل ذلك أبدًا. والسبب ليس أكاديميًا فقط، بل هو سبب عملي ومهم أيضًا.
فالآيات التي تُستخدم كأسلحة في الجدال كثيرًا ما تُنتزع من سياقها. والنص الذي يُفصل عن سياقه يمكن أن يُستخدم لإثبات أي شيء تقريبًا.
نحن نقرأ الكتاب المقدس داخل الكنيسة، وفي ضوء الكتاب المقدس كله، وفي نور شخص السيد المسيح.
قد تكون هذه الطريقة أبطأ، لكنها أكثر أمانة وصدقًا.
المسيح: الصلاح الذي صار له وجه
لا تبدأ الأخلاق المسيحية بنظرية فلسفية عن الخير، بل تبدأ بشخص أعلن أنه يجسّد الخير في ذاته.
عندما خاطبه رجل قائلًا: «أيها المعلم الصالح»، أجابه المسيح بسؤال:
«لِمَاذَا تَدْعُونِي صَالِحًا؟ لَيْسَ أَحَدٌ صَالِحًا إِلاَّ وَاحِدٌ وَهُوَ اللهُ»
(مرقس ١٠: ١٧–١٨)
قدّم المفسرون تفسيرات مختلفة لهذه الكلمات.
ولكن عندما نقرأها في ضوء الإنجيل كله، نفهم أن المسيح لم يكن ينكر صلاحه. بل كان يتحدى الرجل لكي يفكر جيدًا في هوية الشخص الذي يتحدث إليه.
وكأن المسيح يقول له:
«إذا كنتَ تفهم حقًا معنى الكلمة التي قلتها الآن، فقد أدركتَ عن هويتي أكثر مما تتصوّر.»
وهنا نصل إلى النقطة الأساسية.
في شخص المسيح، لم يعد القول إن الصلاح قائم في طبيعة الله مجرد فكرة فلسفية. لقد أصبح حقيقة يمكن للناس أن يشاهدوها.
كيف يبدو الصلاح الكامل عندما يدخل إلى غرفة؟
يبدو مثل رجل لمس المصابين بأمراض جلدية مُعدية، في وقت كانت فيه الشريعة والعادات والخوف البشري تمنع الناس من الاقتراب منهم.
ويبدو مثل رجل تحدّث علنًا مع امرأة تنتمي إلى شعب كان اليهود يحتقرونه، عند بئر في منتصف النهار.
ويبدو مثل رجل لم يُهِن الجماعة التي أرادت أن ترجم امرأة، بل كشف خطاياهم وفرّقهم بجملة واحدة.
ويبدو مثل رجل غسل قدمي التلميذ الذي كان سيخونه.
ويبدو مثل رجل طلب المغفرة للذين كانوا يدقّون المسامير في يديه.
وهذا يرتبط بسؤالنا عن الحقيقة الأخلاقية بطريقة مباشرة.
فكل نظام أخلاقي يحتاج إلى أن يشرح لنا كيف تبدو حياة الإنسان الصالح.
معظم الأنظمة الأخلاقية تعطينا وصفًا نظريًا.
أما المسيحية فتعطينا سيرة حياة.
وتتضمن هذه السيرة حقيقة لم يصل إليها أي نظام فلسفي من تلقاء نفسه، وهي أن أضعف أفراد المجتمع ليسوا عبئًا عليه، بل إن طريقة معاملتنا لهم هي المقياس الحقيقي لأخلاق هذا المجتمع.
«الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: بِمَا أَنَّكُمْ فَعَلْتُمُوهُ بِأَحَدِ إِخْوَتِي هؤُلاَءِ الأَصَاغِرِ، فَبِي فَعَلْتُمْ»
(متى ٢٥: ٤٠)
Add comment
Comments