أساس الحياة الأخلاقية المسيحية ٢

Published on 15 September 2026 at 10:01

أساس الحياة الأخلاقية المسيحية ٢
الكنيسة الأولى

تناول آباء الكنيسة هذا السؤال الفلسفي بصورة مباشرة، لأنهم عاشوا في عالم كانت هذه القضايا تُناقش فيه علنًا بين الناس.

رأى القديس يوستينوس الشهيد، في القرن الثاني، أن «اللوغوس» — كلمة الله الذي تجسّد في المسيح — قد وضع بذور الحق داخل العقل البشري. ولذلك، فكل حقيقة أدركها الفلاسفة الوثنيون، إنما أدركوها بنور مصدره الحقيقي هو المسيح.

وهذا هو التفسير المسيحي المعروف لقدرة غير المسيحيين على معرفة كثير من الحقائق الأخلاقية.

أما القديس كليمنضس السكندري، الذي عاش وخدم في مدينة الإسكندرية المصرية العظيمة التي ينتمي إليها تراث هذا الكتاب، فقد ذهب إلى مدى أبعد من كثيرين في حواره مع الفلسفة اليونانية.

كان يرى أن الفلسفة تمهيد حقيقي للإنجيل. فقد كانت مثل معلّم يقود العقل اليوناني نحو المسيح، كما قادت الشريعة العقل العبري إليه.

كان القديس كليمنضس واثقًا بأن كل حق هو حق الله. وقد أصبح هذا الفكر سمة ثابتة من سمات مدرسة الإسكندرية. وهو يفسّر أيضًا لماذا لا يخشى هذا الكتاب من مناقشة العلم والطب والفلسفة الحديثة، كل مجال بحسب طبيعته وأدلته.

ربط القديس أثناسيوس الرسولي الفساد الأخلاقي بفقدان الشركة مع الله.

ففي كتابه «ضد الوثنيين»، الذي يرتبط ارتباطًا وثيقًا بكتابه «تجسّد الكلمة»، يشرح كيف انصرفت النفس عن التأمل في الله، وانشغلت بذاتها وبالجسد. ونتيجة لذلك، بدأت تخترع الشرور التي ليس لها وجود مستقل في ذاتها.

فالشر، بحسب القديس أثناسيوس وبحسب التقليد المسيحي بوجه عام، ليس كيانًا مستقلًا ينافس الله، ولم يخلقه الله كشيء قائم بذاته.

الشر هو فقدان للخير وغياب عنه، مثل الظلمة أو الجرح. ولهذا يستطيع الشر أن يفسد الخير، لكنه لا يستطيع أن ينتج شيئًا من ذاته.

وأكد القديس باسيليوس الكبير أن الإنسان يمتلك قدرة طبيعية على تمييز الخير، وقد أعطاها الله له منذ الخلق. لذلك لا تقدّم الوصايا للإنسان شيئًا غريبًا عن طبيعته، بل توقظ فيه ما وضعه الله داخله منذ البداية.

ووصف القديس أغسطينوس القلق الداخلي الذي يشعر به الإنسان بسبب وجود نظام أخلاقي لم نصنعه نحن. فنحن خُلقنا من أجل الله، ولا تجد قلوبنا راحتها إلا عندما تستريح فيه.

كما شرح أن الشر هو فقدان للخير، وذلك بعد السنوات التي قضاها بين أتباع المانوية، الذين كانوا يؤمنون بأن الشر قوة مستقلة بذاتها.

ولا يزال شرحه من أهم الإجابات المسيحية عن هذا السؤال:

كيف يمكن أن يوجد الشر في عالم خلقه إله صالح، من دون أن يكون الشر شيئًا صنعه الله؟

الفهم القبطي الأرثوذكسي

تؤمن الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، بالاتفاق مع التقليد المسيحي كله، بما يأتي:

الله هو مصدر الصلاح ومعياره. فهو لا يخضع لمعيار أعلى منه، ولم يخترع الصلاح بطريقة عشوائية.
الحق الأخلاقي موضوعي، وعام، ويمكن معرفته، رغم أن الخطية أضعفت قدرتنا على إدراكه بصورة كاملة.
يستطيع الضمير والعقل أن يدركا الحقائق الأخلاقية بالفعل. ويأتي إعلان الله ليصحّح ما يدركانه، ويكمّله ويوضّحه.
هدف الشريعة الأخلاقية هو شفاء الإنسان وقيادته إلى التألّه بالنعمة، وليس مجرد استرضاء إله غاضب.

هذه الأفكار ليست خاصة بالأقباط، بل هي جزء من ميراث الكنيسة المشترك. لكن ما يميّز التقليد القبطي هو الطريقة التي يؤكد بها هذه الحقائق؛ إذ يهتم بالخبرة الروحية أكثر من اهتمامه ببناء النظريات والأنظمة الفكرية.

لم ينتج التقليد المصري كتبًا كثيرة تقدّم أنظمة فلسفية متكاملة عن الأخلاق، لكنه قدّم لنا عددًا هائلًا من أقوال الآباء.

لم يكتب آباء البرية فلسفة أخلاقية نظرية. بل سجّلوا ما يحدث للإنسان عندما يحاول بالفعل أن يعيش الوصايا داخل قلايته مدة أربعين عامًا.

تأتي قوة تعليمهم من أنهم اختبروا هذه الحقائق عمليًا في حياتهم وعلى أنفسهم.

عندما سُئل القديس أنطونيوس الكبير عن أهم شيء يحتاج إليه الإنسان لكي يخلص، وصلتنا إجابته: «الاتضاع». فقد رأى فخاخ العدو منتشرة في العالم كله، ولم يجد طريقًا للنجاة منها إلا الاتضاع.

لهذا قد تبدأ الإجابة القبطية عن سؤال: «هل الأخلاق موضوعية؟» من مكان غير متوقّع.

قد لا تبدأ بحُجّة فلسفية، بل بدعوة إلى الاختبار:

جرّب أن تعيشها.

احفظ الصوم.

سامح الشخص الذي تشعر أنك لا تستطيع مسامحته.

أعطِ من مالك الذي كنت تفضّل الاحتفاظ به لنفسك.

وبعد ذلك اسأل نفسك: هل كنت أتصرف وفق تفضيل شخصي فقط، أم أنني التقيت بحقيقة أخلاقية واقعية؟

يثق التقليد في أن الحقيقة الأخلاقية تشبه حائطًا موجودًا داخل غرفة مظلمة؛ فعندما تسير وتصطدم به، تعرف أنه موجود بالفعل.

كما أن للحياة الليتورجية أهمية كبيرة.

ففي القداس القبطي، يعترف الشعب بعدم استحقاقه، وبعد دقائق قليلة يتناول المسيح.

هذا الجمع بين الاعتراف بعدم الاستحقاق وقبول المسيح يعلّمنا حقيقة أخلاقية لا تستطيع الحُجج وحدها أن تعلّمنا إياها:

إن معيار القداسة لا ينخفض لكي يناسب ضعفنا، وفي الوقت نفسه لا يرفضنا الله لأننا فشلنا في الوصول إليه.

تضع الكنيسة هاتين الحقيقتين أمامنا أسبوعًا بعد أسبوع، حتى تستقرا في أعماقنا.

كان قداسة البابا شنودة الثالث، في كتاباته الكثيرة وتعليمه لعامة المؤمنين، يقدّم الوصايا دائمًا باعتبارها تعبيرًا عن محبة الله ووسيلة لصحة النفس وشفائها، لا باعتبارها مجرد اختبارات لقياس طاعة الإنسان.

كما كان يربط معرفة إرادة الله بالصلاة وقراءة الكتاب المقدس والإرشاد الروحي، لا بالمشاعر الشخصية وحدها.

أقدّم هذا الكلام باعتباره ملخّصًا للروح العامة لتعليمه في كتب مثل «حياة التوبة والنقاوة» وتأملاته في الوصايا، وليس اقتباسًا حرفيًا من كلامه.

آراء الطوائف المسيحية الأخرى

تتفق التقاليد المسيحية الكبرى في القضايا الأساسية التي يناقشها هذا الفصل أكثر بكثير مما تختلف.

فجميعها تعترف بأن:

الله صالح.
الأخلاق موضوعية وثابتة.
الضمير حقيقة موجودة في الإنسان.

لكن الاختلافات تظهر في درجة التأكيد على بعض الجوانب وفي التفسيرات اللاهوتية الدقيقة.

طوّرت الكنيسة الكاثوليكية أكثر النظريات تفصيلًا عن «القانون الطبيعي»، خاصة من خلال القديس توما الأكويني.

كان توما الأكويني يرى أن المخلوقات العاقلة تشترك في قانون الله الأزلي من خلال القانون الطبيعي. والمبدأ الأول لهذا القانون هو أن الإنسان يجب أن يفعل الخير ويسعى إليه، وأن يتجنّب الشر.

ولهذا يثق اللاهوت الأخلاقي الكاثوليكي بقدرة العقل وحده على الوصول إلى أحكام أخلاقية مفصّلة انطلاقًا من دراسة طبيعة الإنسان.

رأى بعض الكتّاب الأرثوذكس أن هذه الثقة قد تكون زائدة. وفضّلوا الحديث عن «اللوغوي»، أي مقاصد الله وحِكمته الموضوعة داخل الخليقة. كما فضّلوا ربط التفكير الأخلاقي بصورة أوثق بتغيير الإنسان وتجديده روحيًا.

الفرق بين الاتجاهين حقيقي، لكن لا ينبغي المبالغة فيه. فكلاهما يتحدث عن نظام أخلاقي وضعه الله داخل الخليقة.

أما البروتستانتية التقليدية، وخصوصًا التقليد المُصلَح، فكانت عادة أكثر تشاؤمًا بشأن قدرة عقل الإنسان الساقط على الوصول إلى الحق دون خطأ. كما شددت بصورة أكبر على الكتاب المقدس باعتباره المرجع الحاسم للأخلاق.

يؤمن بعض البروتستانت بنظرية «الأمر الإلهي». وبحسب هذه النظرية، يكون الفعل صحيحًا لأن الله أمر به.

أما آخرون، وخصوصًا في التقليد اللوثري، فقد وضعوا تفسيرًا للعلاقة بين الناموس والإنجيل. وهم يرون أن الدور الأساسي للناموس الأخلاقي هو كشف الخطية ودفع الخاطئ إلى اللجوء إلى نعمة الله.

اتجه بعض اللاهوت الحديث المتحرر إلى وضع السلطة الأخلاقية داخل الخبرة الإنسانية والفهم المتطور. ويرى هذا الاتجاه أن المعايير الأخلاقية تتطور كلما نضجت المجتمعات البشرية.

يعتقد المسيحيون الأرثوذكس أن هذا الموقف يتنازل عن النقطة الأساسية. فإذا كان المعيار الأخلاقي يتغير مع الثقافة، فلن يستطيع أن يحكم على الثقافة أو يكشف أخطاءها.

ومع ذلك، يجب أن نناقش هذا الموقف بالحُجّة، لا بالإهانة. فأفضل المدافعين عنه تحرّكهم خبرات حقيقية لأشخاص عاملهم بعض أتباع التقليد المسيحي معاملة سيئة.

عندما يختلف المسيحيون حول أسس الأخلاق، كما في الأمثلة السابقة، تكون اختلافاتهم في الغالب فنية ودقيقة.

أما عندما يختلفون في تطبيق المبادئ الأخلاقية على قضايا مثل الطلاق، ومنع الحمل، واستخدام القوة، تصبح الاختلافات أوضح وأشد. وسوف تناقش الفصول القادمة كل قضية منها على حدة.

الحُجج والردود عليها
معضلة يوثيفرو

الاعتراض:

هل يكون الفعل صالحًا لأن الله يأمر به؟ أم أن الله يأمر به لأنه صالح؟

إذا كان الفعل صالحًا فقط لأن الله أمر به، تصبح أوامر الله عشوائية. أما إذا كان الله يأمر به لأنه صالح، فهذا يعني أن الصلاح موجود بصورة مستقلة عن الله.

الإجابة:

تفترض هذه المعضلة أن علاقة الله بالصلاح تشبه علاقة الإنسان بالقانون: فإما أن يصنع الله القانون بنفسه، أو يخضع لقانون موجود خارجًا عنه.

لكن الإيمان المسيحي يرفض هذا الافتراض.

طبيعة الله نفسها هي معيار الصلاح.

فوصايا الله ليست قرارات عشوائية، وليست أيضًا مجرد إخبار عن معيار موجود خارج الله. لكنها تعبير عن طبيعة الله الثابتة التي لا تتغيّر.

التشبيه الآتي ليس كاملًا، لكنه مفيد:

إن السؤال عما إذا كان الله يستطيع أن يأمر بالقسوة يشبه السؤال عما إذا كانت الدائرة تستطيع أن تقرر أن تكون لها زوايا.

اعتراض آخر:

هذه الإجابة لا تحل المشكلة، بل تنقلها إلى مكان آخر. فلماذا نصف طبيعة الله بأنها صالحة، إلا إذا كان لدينا أولًا مفهوم سابق عن الصلاح نقيس به طبيعة الله؟

الإجابة:

نعم، لدينا مفاهيم أخلاقية. لكن المسيحيين يؤمنون بأننا نمتلك هذه المفاهيم لأننا خُلقنا على صورة الله الصالح.

فعندما ندرك أن صفات الله صالحة، لا نقيسه بمقياس خارجي أعلى منه. نحن نتعرّف في الله على الأصل الكامل الذي جاءت منه صورة الإدراك الأخلاقي الموجودة في داخلنا.

ويجب الاعتراف بأمانة بأن هذه الإجابة ليست برهانًا قاطعًا ينهي كل نقاش. ويعترف الفلاسفة المسيحيون الأمناء بذلك.

لكنها تقدّم تفسيرًا منطقيًا ومتماسكًا. كما أن التفسيرات المنافسة تواجه مشكلات لا تقل صعوبة.

هل يمكن أن توجد الأخلاق من دون الله؟

الاعتراض:

تستطيع المجتمعات العلمانية أن تعيش حياة أخلاقية. ويربّي الملحدون أبناء صالحين. إذن، لا نحتاج إلى الله لكي توجد الأخلاق.

الإجابة:

كل ما يقوله هذا الاعتراض عن سلوك غير المؤمنين صحيح، لكنه لا يمس الادعاء المسيحي.

فالادعاء المسيحي يتعلق بأساس الأخلاق، وليس بسلوك الإنسان.

يمكننا استخدام هذا المثال:

يستطيع الإنسان أن يتحدث لغة بطلاقة، حتى لو لم تكن لديه أي نظرية تشرح طريقة عمل اللغة.

وبالمثل، يقول المسيحي إن غير المؤمنين يعرفون حقائق أخلاقية حقيقية، لأن هذه الحقائق موجودة بالفعل، ولأن الله خلق الإنسان بقدرة على إدراكها.

أما السؤال الجاد فهو:

إذا كان الكون ماديًا وطبيعيًا فقط، فما الذي يجعل الحكم الأخلاقي صحيحًا؟

توجد عدة إجابات مقترحة:

تحاول التفسيرات التطورية أن تشرح سبب وجود المشاعر الأخلاقية عندنا. فالتعاون ومساعدة الأقارب قد يمنحان الجماعة فرصة أفضل للبقاء. لكن هذا يشرح أصل الشعور الأخلاقي، ولا يثبت صحة الحكم الأخلاقي نفسه. فالتطور يمكنه أيضًا أن يفسّر وجود مشاعر أخلاقية خاطئة تمامًا. كما يقودنا ذلك إلى نتيجة مزعجة: إذا التزمنا بتفسير تطوري صارم، يصبح اقتناعنا بأن الأقوياء يجب أن يحموا الضعفاء مجرد وهم مفيد للبقاء. وهذا أساس غريب جدًا نبني عليه مستشفى.
تجعل نظريات العقد الاجتماعي الأخلاق قائمة على اتفاق أفراد المجتمع. لكن هذا يجعل من الصعب جدًا إدانة مجتمع اتفق أفراده على ارتكاب فعل وحشي. وكانت هذه بالتحديد هي المشكلة التي واجهها مينا في قاعة الدراسة. كما أن العقود لا تقدّم حماية كافية للأشخاص الذين لا يملكون قوة للتفاوض، مع أن هؤلاء هم أكثر الناس احتياجًا إلى حماية الأخلاق.
توجد نظرية فلسفية جادة تُسمّى «الواقعية الأخلاقية من دون الله». وتقول إن الحقائق الأخلاقية موجودة بذاتها باعتبارها حقائق أساسية في الواقع، مثل الحقائق الرياضية. ويتبنّى هذا الموقف مفكرون جادّون، ولذلك يجب على المسيحيين مناقشته باحترام. لا يقول الاعتراض المسيحي إن هذا الرأي سخيف، بل يقول إنه يترك أمرًا مهمًا بلا تفسير، بينما يستطيع الإيمان بالله أن يفسّره: لماذا يحتوي الكون أصلًا على حقائق أخلاقية؟ ولماذا تكون لهذه الحقائق سلطة على مخلوقات لم تخترها؟

ومن الإنصاف أن نعترف بأن كل ما سبق لا يُعدّ برهانًا قاطعًا على وجود الله اعتمادًا على الأخلاق.

لكنه يقدّم حُجّة تقول إن الإيمان بالله يفسّر خبرتنا الأخلاقية بطريقة أبسط وأكثر ترابطًا من التفسيرات الأخرى.

وعلى القارئ أن يتعامل بحذر مع أي كاتب يخبره بأن هذه الحُجّة سهلة ولا تواجه أي صعوبات.

 

 

Add comment

Comments

There are no comments yet.