أساس الحياة الأخلاقية المسيحية ٣
الحُجج والردود عليها — تابع
مشكلة الشر
الاعتراض:
إذا كان الله صالحًا وكلي القدرة، فإن حالة العالم وما فيه من شر وألم تبدو حُجّة ضد وجوده أقوى من الحُجّة الأخلاقية المؤيدة لوجوده.
الإجابة:
يُعد هذا من أقوى الاعتراضات على الإيمان المسيحي، وهو يحتاج إلى مساحة أكبر بكثير من فقرة في الفصل الأول. لذلك سيعود الفصل الخامس والأربعون إلى مناقشته من الناحية الرعوية، لأن الإنسان المتألم يحتاج عادة إلى رعاية ومساندة، وليس إلى حُجج فلسفية فقط.
لكن توجد هنا ثلاث نقاط مهمة:
أولًا، إن الاعتراض نفسه حُجّة أخلاقية؛ لأنه يعتمد على وجود الشر الحقيقي الموضوعي، مع أنه يُستخدم أحيانًا لنفي وجود الحقائق الأخلاقية الموضوعية. فإذا لم يكن هناك شر موضوعي حقيقي، فلن تكون هناك أصلًا «مشكلة للشر».
ثانيًا، الإجابة المسيحية ليست فلسفية في المقام الأول، بل تاريخية. كانت استجابة الله لمعاناة العالم هي أن يدخل بنفسه إلى عالمنا، ويتحمّل آلامه، ويُقتل بيديه.
ثالثًا، لا ينبغي لأي مسيحي أن يقدّم هذه الإجابة كأنها حل بسيط ومرتب لشخص يعيش ألمًا شديدًا. فقد انتهى سفر أيوب من دون أن يقدّم تفسيرًا كاملًا لآلام أيوب، كما وبّخ الله أصدقاء أيوب الذين ظنوا أنهم يملكون التفسير.
حُجّة الاختلاف الأخلاقي
الاعتراض:
تختلف الثقافات اختلافًا عميقًا حول القضايا الأخلاقية. وهذا يشير إلى عدم وجود معيار أخلاقي موضوعي ثابت.
الإجابة:
وجود الاختلاف لا يثبت عدم وجود حقيقة موضوعية. فقد اختلف الناس قرونًا طويلة حول أسباب الأمراض، لكن اختلافهم لم يعنِ أنه لا توجد أسباب حقيقية للمرض.
كما أن حجم الاختلاف الأخلاقي بين المجتمعات كثيرًا ما يُبالغ فيه.
فعند فحص الأمر بدقة، نكتشف أن كثيرًا مما يبدو اختلافًا حول القيم الأخلاقية هو في الحقيقة اختلاف حول الوقائع والمعلومات.
فمثلًا، قد يتفق المجتمع الذي كان يحرق من يعتقد أنهم يمارسون السحر مع المجتمع الذي يرفض ذلك على مبدأ أخلاقي واحد، وهو: «يجب معاقبة القاتل». لكنهما يختلفان حول مسألة واقعية: هل السحر موجود فعلًا، وهل يتسبب في قتل الناس؟
وقد يشترك مجتمع كان يترك الأطفال الرضّع للموت مع مجتمع يرفض ذلك في قيمة أخلاقية واحدة، وهي: «لا يجوز قتل الأبرياء». لكنهما يختلفان حول مَن يُعتبر إنسانًا كامل الحقوق.
وهذا هو الاختلاف نفسه الموجود في صميم النقاش الحديث حول الإجهاض، ومن المهم أن نلاحظه منذ البداية.
ورغم الاختلافات بين الثقافات، نجد في أعماقها مجموعة واضحة ومشتركة من القيم.
فالوفاء والعدل والشجاعة والعناية بالأبناء والصدق، كلها أمور تحظى بالتقدير بشكل أو بآخر في جميع المجتمعات.
الاختلافات موجودة فعلًا، لكنها تتعلق غالبًا بحدود دائرة الاهتمام الأخلاقي: إلى أي مدى تمتد هذه الدائرة، ومَن تشمل؟
وهذا اختلاف جاد، لكنه لا يثبت أن الدائرة نفسها وهمية أو غير موجودة.
«قد يكون ذلك صحيحًا بالنسبة إليك، لكنه ليس صحيحًا بالنسبة إليَّ»
هذه هي العبارة التي يسمعها المسيحيون في حياتهم العملية أكثر من أي حُجّة فلسفية أخرى.
وفي معظم الأحيان، لا تعبّر هذه العبارة عن موقف فلسفي مدروس، بل تكون واحدة من ثلاثة أمور:
- طلبًا لإنهاء حوار غير مريح.
- دفاعًا عن الحرية الشخصية في مواجهة شخص يُنظر إليه باعتباره متحكمًا.
- تعبيرًا حقيقيًا عن التواضع بشأن قدرتنا على معرفة الحقيقة.
تحتاج كل حالة إلى استجابة مختلفة، ولا تحتاج أي واحدة منها إلى محاضرة طويلة.
إذا كان الشخص يطلب إنهاء الحوار، فقد تكون الاستجابة المحبة هي أن نتوقف. فالانتصار في مناقشة مع شخص توقف عن الاستماع ليس كرازة.
وإذا كان الشخص يدافع عن حريته، فمن المفيد أن توضّح له أنك لا تحاول إجباره على شيء. أنت فقط تشرح ما تؤمن به والأسباب التي تجعلك تؤمن به.
فكثير من مقاومة الناس للتعاليم الأخلاقية المسيحية تكون في الحقيقة مقاومة لطريقة الكلام ونبرته، لا للتعليم نفسه.
أما إذا كانت العبارة تعبيرًا حقيقيًا عن التواضع، فمن الأفضل أن تطرح سؤالًا بدلًا من إلقاء خطاب.
يمكنك أن تسأل مثلًا:
هل كانت العبودية خطأ فقط في نظر الذين عارضوها؟ أم كانت خطأ أيضًا بالنسبة إلى مالكي العبيد الذين اعتقدوا أنها صحيحة؟
إذا أعطيت الشخص لحظة للتفكير، فسيقول معظم الناس إن العبودية كانت خطأ حتى بالنسبة إلى الذين اعتقدوا أنها صحيحة.
وبمجرد أن يقول الشخص ذلك، يكون قد ترك النسبية الأخلاقية في أهم حالة عملية.
لكن لا ينبغي أن نفعل هذا بروح الانتصار. فالهدف ليس أن نوقع الشخص في فخ، بل أن نساعده على رؤية ما يؤمن به بالفعل.
حالات صعبة
ضمير حائر بصدق
قد تؤمن ممرضة مسيحية بصدق أن علاجًا معينًا خطأ، بينما تقول الجهة المهنية المسؤولة عنها إن تقديم هذا العلاج واجب.
هي لا تختار بين واجب أخلاقي وتفضيل شخصي، بل بين أمرين ترى كلًا منهما واجبًا عليها.
سيناقش الفصل الرابع عشر بالتفصيل مسألة الاعتراض الضميري في المجال الطبي.
لكن يجب أن نلاحظ هنا أن وجود حالات أخلاقية صعبة لا ينفي وجود أخلاق موضوعية، تمامًا كما أن وجود الخداع البصري لا ينفي وجود حاسة البصر.
التطور الأخلاقي داخل الكتاب المقدس
تنظّم بعض شرائع العهد القديم ممارسات يعتبرها المسيحيون اليوم خاطئة، مثل تعدد الزوجات والعبودية ومعاملة الأسرى.
فإذا كانت الأخلاق لا تتغيّر، فلماذا سمح الله بهذه الأمور؟
تجيب النظرة المسيحية التقليدية عن ذلك بمبدأ «التنازل الإلهي» أو مراعاة الله لضعف الإنسان.
فالله يعمل مع البشر داخل ظروفهم التاريخية، ويبدأ بالحد من الشر قبل أن يقودهم إلى إلغائه بالكامل. وهو يشبه الطبيب الذي يعالج مريضًا لا يستطيع أن يشفيه كله في يوم واحد.
استخدم السيد المسيح نفسه هذا المنطق عند حديثه عن الطلاق، فقال:
«إِنَّ مُوسَى مِنْ أَجْلِ قَسَاوَةِ قُلُوبِكُمْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تُطَلِّقُوا نِسَاءَكُمْ. وَلكِنْ مِنَ الْبَدْءِ لَمْ يَكُنْ هكَذَا»
(متى ١٩: ٨)
هذه إجابة حقيقية وليست محاولة للهروب من السؤال، لكن يجب استخدامها بحذر؛ لأن الإنسان قد يوسّع معنى «التنازل» حتى يستخدمه لتبرير أي شيء.
وسيناقش الفصلان التاسع عشر والثاني والثلاثون هذه الحالات الصعبة بصورة مباشرة.
عندما يبدو أن الكتاب المقدس والضمير يتعارضان
قد يقرأ المسيحي نصًا كتابيًا ويشعر أنه مرفوض أخلاقيًا.
هناك استجابتان خاطئتان:
- أن يقمع الإنسان شعوره ويتظاهر بأنه لا توجد مشكلة.
- أن يرفض النص الكتابي ويتخلّى عنه.
أما الطريق الأفضل فهو البحث والدراسة.
علينا أن نسأل:
- ماذا يقول النص فعلًا في لغته الأصلية وسياقه التاريخي؟
- كيف فهم آباء الكنيسة هذا النص؟
- هل رد فعلي نابع من إدراك أخلاقي صحيح، أم من تأثير ثقافتي ومجتمعي؟
في بعض الأحيان، يصحّح البحث فهم القارئ وموقفه.
وفي أحيان أخرى، يكشف البحث أن القارئ لم يفهم النص فهمًا صحيحًا من البداية.
هذا عمل بطيء، لكنه الطريق الأمين والصادق.
الإنسان المخلص الذي يقع في خطأ حقيقي
الإخلاص وحده لا يجعل الفعل صحيحًا، ولن يتظاهر هذا الكتاب بعكس ذلك.
لكن إخلاص الإنسان يرتبط مباشرة بمقدار مسؤوليته وذنبه، وهذا سؤال مختلف سوف يناقشه الفصل الثالث.
فالإنسان الذي يفعل الخطأ بسبب جهل حقيقي لا يكون في الموقف نفسه الذي يوجد فيه شخص عرف أن الفعل خطأ، ثم اختار أن يفعله.
كلاهما ارتكب الفعل الخاطئ نفسه، لكنهما لا يحملان الدرجة نفسها من الذنب.
إرشادات رعوية
توجد عدة أمور يجب أن نتذكرها عندما نتعامل مع هذه القضايا في حياتنا اليومية.
لا تستخدم هذه الحُجج لمجرد الانتصار
إن رغبتك في تقديم الحُجّة الأقوى أثناء اجتماع عائلي لا تعني بالضرورة أنك تسعى إلى خير الشخص الآخر. ويستطيع الناس اكتشاف الفرق بين الأمرين بسرعة.
إذا خرج قريبك من الحوار وهو يشعر بالهزيمة، بدلًا من أن يشعر بأنك استمعت إليه واحترمت أسئلته، فهذا يعني أن شيئًا ما سار بطريقة خاطئة، حتى لو كان كل ما قلته صحيحًا.
لاحظ أن معظم الاختلافات الأخلاقية لها أسباب أعمق
نادرًا ما يغيّر الناس آراءهم الأخلاقية بسبب حُجّة فكرية وحدها.
غالبًا ما يغيّرونها بسبب علاقة إنسانية، أو خبرة مرّوا بها، أو كتاب وصل إليهم في الوقت المناسب.
تساعد الحُجج على إزالة العوائق، لكنها في العادة لا تغيّر إرادة الإنسان بمفردها.
تعامل بجدية مع الشخص المتشكك، خاصة إذا كان من عائلتك
إذا بدأ شاب في كنيستك يطرح أسئلة مينا، فإن أسوأ استجابة ممكنة هي الخوف والانزعاج.
فعادة ما تكون مثل هذه الأسئلة علامة على أن عقل الشاب بدأ يستيقظ ويفكر بجدية.
والتقليد الذي لا يستطيع تحمّل السؤال: «لماذا؟» لا يستحق أن نسلّمه إلى الجيل التالي.
لقد كانت الكنيسة القبطية تناقش الفلسفة منذ أن كانت الإسكندرية العاصمة الفكرية للعالم. ولذلك تستطيع بالتأكيد أن تتعامل مع شاب في التاسعة عشرة من عمره يحمل قائمة من الكتب والأسئلة.
كن صادقًا بشأن ما لا تعرفه
إن قولك: «لا أعرف، لكنني أعرف أين يمكننا أن نبحث عن الإجابة»، يبني ثقة أكبر من تقديم إجابة واثقة يتضح بعد ذلك أنها ضعيفة.
وفي بعض الأسئلة، تكون الإجابة المسيحية الصادقة فعلًا أننا الآن:
«نَنْظُرُ الآنَ فِي مِرْآةٍ، فِي لُغْزٍ»
(كورنثوس الأولى ١٣: ١٢)
لا تجعل قوة اقتناعك تحدد طريقة معاملتك للآخرين
هذه هي الرسالة الأساسية التي يحملها هذا الكتاب.
كلما كان اقتناعك أقوى، وجب أن تكون أكثر حرصًا في طريقة استخدامه؛ لأن الاقتناع القوي في يد إنسان متكبر يمكن أن يصبح أداة خطيرة.
مبادئ عملية
- الحق الأخلاقي موجود فعلًا، وأنت لم تخترعه. وهذه الحقيقة تمنحك راحة، وليست عبئًا عليك؛ لأنك لست مسؤولًا عن بناء نظام أخلاقي كامل من لا شيء.
- ميّز بين الأسئلة الثلاثة: هل يوجد حق أخلاقي؟ كيف نعرفه؟ وما الأساس الذي يجعله حقًا؟ فمعظم الحُجج المشوشة تنتج عن الخلط بين هذه الأسئلة.
- لا تقل أبدًا إن غير المؤمنين لا يستطيعون أن يكونوا صالحين. فهذا قول غير صحيح وغير لطيف، كما أنه يفقدك مصداقيتك في كل ما تقوله بعد ذلك.
- عندما تقابل شخصًا يؤمن بالنسبية الأخلاقية، اطرح عليه سؤالًا بدلًا من إلقاء خطاب. واختر مثالًا يجعل قناعاته الأخلاقية نفسها تقوده إلى التفكير.
- اختبر الأحكام الأخلاقية في ضوء الكتاب المقدس مقروءًا كوحدة كاملة، وفكر الكنيسة، وشهادة القديسين، والعقل الصادق، والضمير. وكن حذرًا عندما يؤيد استنتاجك الذي تريده مسبقًا مصدر واحد فقط من هذه المصادر.
- توقّع أن تنمو معرفتك الأخلاقية من خلال طاعة الوصية، مثلما تنمو من خلال الدراسة. فهناك حقائق لا نراها بوضوح إلا بعد أن نبدأ في ممارستها.
- تمسّك باستنتاجاتك بالقدر الذي تستحقه من الثقة: بثبات عندما يكون تعليم الكنيسة واضحًا، وبصورة مؤقتة قابلة للمراجعة عندما يختلف المسيحيون الأمناء، وبتواضع في جميع الأحوال.
- تذكّر أن امتلاك الرأي الصحيح لا يعني بالضرورة أنك إنسان بار. وتذكّر أن الرب نفسه، الذي هو الحق، انحنى وغسل أقدام تلاميذه.
أسئلة للتأمل أو المناقشة
- كيف كنت ستجيب عن سؤال المُحاضِرة بشأن المجتمع المنعزل؟ حاول تقديم سبب لا يكون مجرد تكرار لشعورك بأن ما يفعله المجتمع خطأ.
- هل غيّرت رأيك من قبل بشأن قضية أخلاقية مهمة؟ وما الذي أدى فعلًا إلى هذا التغيير: حُجّة، أم خبرة، أم شخص؟
- «الصلاح هو طبيعة الله ذاتها.» ما الفرق العملي الذي تصنعه هذه الحقيقة عندما تقرأ وصية تجد صعوبة في قبولها؟
- فكّر في شخص تعرفه لا يشاركك إيمانك، لكنك تحترم أخلاقه وشخصيته. كيف يفسّر تعليم «صورة الله في الإنسان» وجود هذا الصلاح فيه؟
- هل توجد قناعة أخلاقية تتمسك بها أساسًا بسبب تربيتك؟ كيف يمكنك التأكد مما إذا كانت هذه القناعة صحيحة في ذاتها أيضًا؟
- عندما يقول شخص: «قد يكون هذا صحيحًا بالنسبة إليك، لكنه ليس صحيحًا بالنسبة إليَّ»، فما الذي يحدث عادة في أعماقه؟ وكيف تستطيع الرد عليه بطريقة تترك الباب مفتوحًا لاستمرار الحوار؟
صلاة
يا رب، أنت هو الصالح، وكل حق أدركته في حياتي، إنما أدركته بنورك.
عندما أكون واثقًا، احفظني متواضعًا. وعندما أكون حائرًا، تأنَّ عليَّ.
نجّني من كبرياء الاعتقاد بأنني فهمتك فهمًا كاملًا، ومن الجبن الذي يجعلني أتظاهر بأنني لا أعرف شيئًا.
امنحني محبة للحق تكون أقوى من محبتي لإثبات أنني على صواب.
ولا تسمح لي أبدًا أن أجرح نفسًا أخرى باستخدام الحق الذي أعطيتني إياه من أجل شفائها.
آمين.
Add comment
Comments