الفصل الثاني: صورة الله وكرامة الإنسان — الجزء الأول
الرجل الموجود في ممر المستشفى
حكت لي مرشدة روحية في أحد المستشفيات ذات مرة عن مشهد لم تستطع أن تنساه.
دخل رجل إلى المستشفى بعد أن قضى مدة طويلة مشرّدًا ينام في الشوارع. كان في الخمسينيات من عمره، لكنه بدا كأنه في السبعين. وكان في ساقه جرح تُرك من دون علاج وقتًا طويلًا، حتى أصبحت له رائحة كريهة.
كان الرجل مشوش التفكير، ويتصرف أحيانًا بعدوانية. ولم يزره أحد، كما لم تكن لدى المستشفى بيانات لأحد أقاربه يمكن الاتصال به.
خلال الأيام الأربعة التي قضاها في القسم، لاحظت المرشدة أمرًا قالت إنها رأته مئات المرات من قبل، لكنها لم تستطع أن تعتاد عليه. لاحظت تغييرات صغيرة يكاد لا يراها أحد في طريقة تعامل الناس معه:
أصبحت نبرة أصواتهم أكثر جمودًا. وصارت تفسيراتهم له أقصر. لم يكن أحد قاسيًا معه بصورة واضحة. ولم يفعل أحد شيئًا يمكن تقديم شكوى رسمية بسببه. لكنهم كانوا يتعاملون معه كحالة تحتاج إلى الرعاية، لا كإنسان يحتاج إلى مَن يلتقي به ويصغي إليه.
في اليوم الخامس، جلست مساعدة رعاية صحية شابة بجوار سريره أثناء فترة راحتها، من دون أن تكون لديها مهمة طبية تؤديها. وسألته عن المكان الذي جاء منه.
أجابها، ثم أخبرها عن أخته التي تعيش في مدينة سوانزي، والتي لم يرها منذ أحد عشر عامًا. وحدّثها عن عمله القديم في تركيب المطابخ.
وفي أثناء حديثه بدأ يبكي، وقال العبارة التي كررتها لي المرشدة الروحية:
«لقد نسيت أنني إنسان.»
كل ما في هذا الفصل هو محاولة لتفسير لماذا تُعد هذه العبارة مستحيلة من الناحية اللاهوتية، ومع ذلك فهي من أكثر الخبرات انتشارًا في عالمنا الحديث.
ما القضية الحقيقية؟
السؤال الذي يناقشه هذا الفصل هو أهم سؤال في علم الأخلاق؛ لأن إجابة كل الأسئلة الأخلاقية الأخرى تعتمد عليه:
ما قيمة الإنسان؟ ولماذا يمتلك هذه القيمة؟
سيقول معظم الناس اليوم إن جميع البشر متساوون في الكرامة. وقد كُتب هذا المبدأ في الدساتير والمواثيق الدولية.
لكن إذا توقفنا وفكّرنا في هذه العبارة ببطء، فسوف نكتشف أنها ادعاء غير عادي، ولا تؤيده الملاحظات الظاهرة بسهولة.
فالبشر غير متساوين بوضوح في كل شيء تقريبًا يمكن قياسه. فهم يختلفون في القوة والذكاء والصحة والجمال والمنفعة والفضيلة ومقدار ما يقدّمونه للآخرين.
فإذا كانت قيمة الإنسان تعتمد على أي واحدة من هذه الصفات، فسوف تختلف قيمة البشر اختلافًا هائلًا.
إذن، على أي أساس نصرّ على أن جميع البشر متساوون في الكرامة؟
توجد ثلاث إجابات عامة:
القيمة تمنحها قدرات الإنسان
يمتلك الكائن قيمة ومكانة أخلاقية بسبب ما يستطيع أن يفعله، مثل:
التفكير.
الاختيار.
الشعور بالألم.
تكوين الرغبات والتفضيلات.
الوعي بالذات.
هذا هو الرأي السائد في كثير من مجالات الأخلاق الطبية العلمانية. ومن نقاط قوته أنه يحاول تقديم سبب لقيمة الإنسان، بدلًا من مجرد إعلانها.
القيمة يمنحها المجتمع
بحسب هذا الرأي، مكانة الإنسان وحقوقه أمران يصنعهما القانون والمجتمع. فنحن نتفق على أن نتعامل بعضنا مع بعض باعتبارنا أشخاصًا نمتلك حقوقًا.
يعترف هذا الرأي بأمانة بالطريقة التي تعمل بها الحقوق في الواقع العملي. ولهذا نجد أن عبارة «حقوق الإنسان» ترتبط عادة بميثاق أو وثيقة قانونية.
القيمة أصيلة في الإنسان، وقد تسلّمها من الله
للإنسان قيمة غير محدودة بسبب طبيعته وبسبب انتمائه إلى الله، بغضّ النظر عن قدراته أو إنجازاته أو إسهاماته أو اعتراف المجتمع به.
هذا هو الإيمان المسيحي، وأساسه آية واحدة موجودة في الصفحة الأولى من الكتاب المقدس.
ليست الاختلافات بين هذه الإجابات مجرد خلافات أكاديمية، بل هي التي تحدد ما يحدث للرجل الموجود في ممر المستشفى.
بحسب الرأي الأول، تكون قيمة الرجل قد نقصت بالفعل؛ لأن قدراته قد ضعفت.
وبحسب الرأي الثاني، تعتمد قيمته على اعتراف المجتمع به، مع أن المجتمع توقف بوضوح عن ملاحظته والاهتمام به.
أما بحسب الرأي الثالث، فلم يحدث أي نقص على الإطلاق في قيمته. والمشكلة كلها موجودة عند الذين لم يعودوا قادرين على رؤية هذه القيمة.
شهادة الكتاب المقدس
النص الأساسي
«فَخَلَقَ اللهُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِهِ. عَلَى صُورَةِ اللهِ خَلَقَهُ. ذَكَرًا وَأُنْثَى خَلَقَهُمْ»
(تكوين ١: ٢٧)
وتسجّل الآية السابقة تدبير الله وقوله:
«نَعْمَلُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا كَشَبَهِنَا»
(تكوين ١: ٢٦)
توجد في هذا النص عدة أمور تستحق أن نتوقف أمامها ونتأمل فيها جيدًا.
قيلت هذه الكلمات عن الجنس البشري كله
لم تُقَل عن فئة معينة من البشر.
في الثقافات المحيطة بشعب إسرائيل في الشرق الأدنى القديم، كان وصف «صورة الإله» يُطلق على الملوك، وأحيانًا على التماثيل الدينية.
لكن سفر التكوين أخذ هذه اللغة الملوكية وطبّقها على جميع البشر، بما في ذلك العبد والغريب والطفل حديث الولادة.
كان هذا، في زمنه، إعلانًا جذريًا بأن الكرامة ليست حكرًا على الملوك، بل هي حق لكل إنسان.
قيلت عن الرجل والمرأة معًا
لا تقول الآية إن الرجل وحده هو صورة الله، وإن المرأة تحصل على هذه الصورة من خلاله.
بل إن الرجل والمرأة، بالتساوي، خُلقا على صورة الله. وتعلنهما الآية معًا في العبارة نفسها.
أُعطيت الصورة للإنسان قبل أن يفعل أي شيء
تسبق صورة الله كل إنجاز أو طاعة أو استحقاق بشري.
لم يكن آدم قد عمل أو تكلّم أو اختار شيئًا بعد. لذلك لم تكن قيمته مكافأة حصل عليها بسبب أعماله.
لم تختفِ صورة الله بعد السقوط
هذه حقيقة أساسية كثيرًا ما لا ينتبه إليها الناس.
بعد الطوفان، نهى الله عن القتل على أساس أن الإنسان خُلق على صورته:
«سَافِكُ دَمِ الإِنْسَانِ بِالإِنْسَانِ يُسْفَكُ دَمُهُ. لأَنَّ اللهَ عَلَى صُورَتِهِ عَمِلَ الإِنْسَانَ»
(تكوين ٩: ٦)
قيلت هذه الكلمات عن بشر سبق أن وصفهم الكتاب بأن الفساد قد ملأ حياتهم.
وبعد ذلك، نهى القديس يعقوب عن لعن الآخرين، لأنهم خُلقوا على شبه الله (يعقوب ٣: ٩).
لقد تشوّهت صورة الله في الإنسان بسبب الخطية، لكنها لم تُمحَ منه.
نتائج ذلك في الشريعة والأنبياء
يؤكد العهد القديم باستمرار النتائج العملية لهذه الحقيقة.
كان الغريب واليتيم والأرملة هم الفئات الثلاث التي لا تجد غالبًا مَن يدافع عنها قانونيًا في المجتمع القديم. ولذلك وضعهم الله تحت رعايته المباشرة (تثنية ١٠: ١٨).
وأمر الله شعب إسرائيل أن يحبوا الغريب المقيم بينهم، وذكّرهم بالسبب:
لقد كانوا هم أيضًا غرباء في أرض مصر (لاويين ١٩: ٣٤؛ تثنية ١٠: ١٩).
كما نهى الله عن إهانة الأصم أو وضع حجر عثرة أمام الأعمى (لاويين ١٩: ١٤).
كان هذا نهيًا عن القسوة تجاه إنسان لا يستطيع أن يسمع الإهانة أو يرى الأذى قبل وقوعه. أي إنه نهي عن القسوة التي قد يمارسها الشخص من دون أن يدفع ثمنًا اجتماعيًا أو يتعرض للعقاب من الناس.
وأمرت الشريعة بإكرام كبار السن (لاويين ١٩: ٣٢).
كما أن ما يتبقى في الحقل بعد الحصاد كان حقًا للفقراء، ولم يكن مجرد صدقة يتفضّل بها الأغنياء عليهم (لاويين ١٩: ٩–١٠؛ راعوث ٢).
لم يعتبر الأنبياء إساءة معاملة هؤلاء الأشخاص مجرد نقص في اللطف، بل اعتبروها شكلًا من أشكال التجديف؛ لأنها اعتداء على بشر ينتمون إلى الله نفسه.
ويوضّح سفر الأمثال هذا المنطق بقوله:
«ظَالِمُ الْفَقِيرِ يُعَيِّرُ خَالِقَهُ، وَيُمَجِّدُهُ رَاحِمُ الْمِسْكِينِ»
(أمثال ١٤: ٣١)
الحياة داخل الرحم
يتحدث الكتاب المقدس عن معرفة الله الشخصية بالإنسان وعن علاقته به قبل ولادته.
يصف صاحب المزمور كيف نسجه الله داخل رحم أمه، وكيف رأى أعضاءه قبل أن تتكوّن بالكامل (مزمور ١٣٩: ١٣–١٦).
وقال الله لإرميا إنه عرفه قبل أن يصوّره في البطن (إرميا ١: ٥).
كما يقول عبد الرب في سفر إشعياء إن الرب دعاه منذ البطن (إشعياء ٤٩: ١).
وفي العهد الجديد، تحرّك الجنين في بطن أليصابات عندما وصلت إليها القديسة مريم وهي تحمل السيد المسيح في أحشائها (لوقا ١: ٤١–٤٤).
لكن إذا أردنا استخدام هذه النصوص بأمانة، يجب الانتباه إلى أمرين:
أولًا، لا يُعد أي نص منها دراسة مباشرة عن المكانة الأخلاقية للجنين. فبعضها شعر، وبعضها يتحدث عن دعوة نبي، وبعضها يروي أحداثًا تاريخية.
ثانيًا، لا يعني ذلك أن هذه النصوص لا علاقة لها بالموضوع.
فهي تكشف عن فكر كتابي ثابت: تبدأ علاقة الله بالإنسان قبل أن يستطيع أي شخص آخر أن يراه.
سوف يناقش الفصل السابع الحُجّة كاملة، بما في ذلك النص الصعب بالفعل في خروج ٢١: ٢٢–٢٥، والطرق المختلفة التي فسّر بها المسيحيون هذا النص.
المسيح: صورة الله في شخصه
لا ينبع الفهم المسيحي للإنسان في صورته الكاملة من تكوين ١ فقط، بل من السيد المسيح.
فالعهد الجديد يدعو المسيح:
«صُورَةُ اللهِ غَيْرِ الْمَنْظُورِ»
(كولوسي ١: ١٥)
كما يصفه بأنه:
«رَسْمُ جَوْهَرِهِ»
(عبرانيين ١: ٣)
خُلق البشر على صورة الله، أما المسيح فهو صورة الله الكاملة. ومن خلال النظر إليه، نتعلم ما كان ينبغي أن نكون عليه.
وقد فعل السيد المسيح أمرًا غيّر كل شيء: حمل هذه الكرامة إلى أكثر الأماكن اتضاعًا، ووضع نفسه مع الذين كانوا في أدنى مكانة اجتماعية.
في التجسد، أخذ كلمة الله الأزلي جسدًا بشريًا، وفي هذا الجسد أخذ مكان أصغر الناس:
وُلد في مكان بسيط يأوي الحيوانات، وصار لاجئًا قبل أن يتعلم المشي، ثم حُكم عليه بالموت كأنه مجرم.
انظر إلى المكان الذي اختار أن يضع نفسه فيه داخل مجتمع كان قائمًا على الكرامة والعار:
لمس رجلًا مصابًا بمرض جلدي مُعدٍ (مرقس ١: ٤٠–٤٢)، في وقت كان التصرف المقبول بحسب الشريعة والمجتمع هو الابتعاد عنه.
تحدّث في أمور لاهوتية مع امرأة سامرية كان لها تاريخ زوجي معقد، على انفراد وفي مكان عام وفي منتصف النهار (يوحنا ٤). وسجّل الإنجيل اندهاش تلاميذه، كما سجّل أن المسيح أعلن لهذه المرأة بأوضح صورة عن هويته.
سمح لامرأة سيئة السمعة أن تلمس قدميه داخل بيت رجل فريسي، ثم دافع عنها أمام صاحب البيت (لوقا ٧: ٣٦–٥٠).
نادى رجلًا كان يتعاون مع سلطة الاحتلال، وطلب منه أن ينزل من فوق الشجرة، ثم دعا نفسه إلى تناول الطعام في بيته (لوقا ١٩: ١–١٠).
شفى في يوم السبت امرأة كانت منحنية الظهر مدة ثماني عشرة سنة، ودعاها «ابنة إبراهيم» (لوقا ١٣: ١٠–١٧). وهكذا ردّ إليها مكانتها، كما أعاد الاستقامة إلى ظهرها.
وضع طفلًا في وسط تلاميذه عندما كانوا يتناقشون حول مَن هو الأعظم (مرقس ٩: ٣٣–٣٧)، وذلك في ثقافة لم تكن تنظر إلى الأطفال بالنظرة العاطفية الموجودة في مجتمعات كثيرة اليوم.
مدح سامريًا وقائد مئة روماني، وأعلن عن إيمان لم يجد مثله في إسرائيل (لوقا ١٠: ٢٥–٣٧؛ متى ٨: ١٠).
ثم أعلن السيد المسيح المعيار الذي ستُدان به الأمم.
لم يكن هذا المعيار هو الدقة في التعبير عن العقيدة، أو مجرد حضور الكنيسة، أو السمعة الأخلاقية المحترمة.
بل قال:
الجائع، والعطشان، والغريب، والعريان، والمريض، والمسجون:
«بِمَا أَنَّكُمْ فَعَلْتُمُوهُ بِأَحَدِ إِخْوَتِي هؤُلاَءِ الأَصَاغِرِ، فَبِي فَعَلْتُمْ»
(متى ٢٥: ٣١–٤٦)
هذا من أقوى ما قيل عن كرامة الإنسان.
فالمسيح لا يقول فقط إن الإنسان الفقير المحروم يستحق الرعاية، بل يعلن أنه يجعل نفسه واحدًا معه.
وهكذا، فإن الطريقة التي تعامل بها الرجل الموجود في ممر المستشفى هي الطريقة التي تعامل بها الله نفسه.
الكنيسة الأولى
فهم آباء الكنيسة «صورة الله» بطرق مختلفة يكمل بعضها بعضًا. وسرعان ما حوّلوا هذا الفهم إلى ممارسة عملية.
رأى القديس غريغوريوس النيسي أن صورة الله تظهر بوجه خاص في قدرة الإنسان على الحرية ومعرفة الله.
وقال إن الكائن المخلوق على صورة الله الحر يجب أن يكون هو أيضًا حرًا؛ لأن طبيعة العبد لا تستطيع أن تعكس صورة الطبيعة الحرة.
ومن هذا التعليم وصل إلى نتيجة كانت نادرة جدًا في العالم القديم.
ففي عظاته عن سفر الجامعة، هاجم فكرة امتلاك إنسان لإنسان آخر. وقال إن وضع ثمن لإنسان هو محاولة لوضع ثمن لصورة الله، وإن العالم كله لا يستطيع أن يساوي قيمة هذا الإنسان.
لم يكن القديس غريغوريوس يقود حملة لتغيير القوانين، فلم تكن آليات مثل هذه الحملات متاحة في القرن الرابع. لكنه كان يعلن أن الممارسة التي قام عليها مجتمعه كله كانت سلبًا لما يخص الله.
وقدّم القديس غريغوريوس النزينزي عظة كاملة عن محبة الفقراء. واهتم فيها خاصة بالأشخاص المصابين بما كان العالم القديم يسمّيه «البرص».
كان هؤلاء يُطردون من المدن، ويُنظر إليهم كأشخاص ملعونين، وتتخلى عنهم عائلاتهم.
وأكد القديس غريغوريوس أنهم ليسوا بشرًا أقل قيمة، بل يشتركون معنا في الطبيعة الإنسانية نفسها، وهم من لحمنا.
أما نحن الأصحاء، فلسنا أفضل منهم، بل نحن فقط أناس لم يأتِ دورهم بعد في اختبار المرض.
ولم يكتفِ القديس باسيليوس الكبير بالوعظ.
فقد بنى خارج مدينة قيصرية مجمّعًا كبيرًا يضم مستشفى، ودارًا لرعاية المرضى، ومكانًا لإعانة الفقراء، ومسكنًا للمسافرين.
اتسع هذا المجمّع حتى صار الناس يتحدثون عنه كأنه مدينة جديدة. وقد وصفه القديس غريغوريوس النزينزي في عظة تأبينه للقديس باسيليوس.
كان هذا المجمّع أحد الجذور الأولى لفكرة المستشفى باعتباره مؤسسة منظّمة.
لقد أُقيم لأن المسيحيين آمنوا بأن الغريب الفقير المصاب بمرض لا يُرجى شفاؤه يستحق أن يُبنى من أجله مكان كامل للرعاية.
وكان القديس يوحنا ذهبي الفم يكرر هذه الحقيقة كل أسبوع أمام شعب غني يعيش في المدينة.
علّمهم أن الفقير الواقف عند باب الكنيسة هو مذبح، وأن المسيح حاضر فيه. ولذلك فإن تزيين الكنيسة مع تجاوز الفقير الموجود على بابها ليس تقوى، بل تناقض واضح.
وتبعت ممارسات المسيحيين الأوائل هذا التعليم.
فتنهى وثيقة «الديداخي» عن الإجهاض وقتل الأطفال في العبارة نفسها التي تنهى فيها عن القتل.
وتصف «الرسالة إلى ديوجنيتس»، وهي رسالة كتبها مؤلف غير معروف لشرح حياة المسيحيين لشخص غير مسيحي مهتم بمعرفتهم، سلوك المسيحيين فتقول إنهم يتزوجون مثل باقي الناس وينجبون الأطفال مثلهم، لكنهم لا يتركون أطفالهم غير المرغوب فيهم ليموتوا.
وكان التخلّي عن الأطفال في ذلك الوقت ممارسة قانونية وشائعة، ولم يكن المجتمع الروماني يستغربها.
كما أدان لاكتانتيوس التخلّي عن الأطفال وألعاب المصارعين، واعتبر كليهما قتلًا. ورفض الفروق المعتادة التي استخدمها الأشخاص المحترمون في المجتمع لتبرير هذه الأفعال.
واشتهر المسيحيون أيضًا ببقائهم داخل المدن أثناء انتشار الأوبئة لرعاية المرضى، بمن فيهم الغرباء والوثنيون، في الوقت الذي هرب فيه القادرون على المغادرة.
لم يكن أي من ذلك مجرد عاطفة.
بل كان تطبيقًا عمليًا لما جاء في تكوين ١: ٢٧، قام به أشخاص فهموا معناه الحقيقي.
وقدّم القديس أثناسيوس صورة تربط كرامة الإنسان بالخلاص.
فقد شبّه البشرية بصورة مرسومة على لوح خشبي، ثم أفسدتها الأوساخ.
ولا يكون إصلاح الصورة بإلقاء اللوح بعيدًا، بل بعودة صاحب الصورة وجلوسه من جديد أمام الرسام، حتى تتجدد ملامحه على اللوح نفسه.
في التجسد، عاد الله ليجلس من جديد أمام صورته، حتى يجدّدها.
لذلك، لا تتعلق كرامة الإنسان بحقيقة أصله فقط، بل تكشف أيضًا عن المصير الذي دعاه الله إليه.
Add comment
Comments