الفصل الثاني: صورة الله وكرامة الإنسان — الجزء الثاني

Published on 19 September 2026 at 22:16

 

 

الفصل الثاني: صورة الله وكرامة الإنسان — الجزء الثاني

الفهم القبطي الأرثوذكسي

تؤمن الكنيسة القبطية بما تؤمن به الكنيسة كلها عن صورة الله في الإنسان. لكن توجد ثلاثة جوانب تمنح الفهم القبطي طابعه الخاص.

أولًا، صورة الله ليست مجرد صفة يمتلكها الإنسان، بل هي أيضًا دعوة إلى النمو.

طوّر لاهوت مدرسة الإسكندرية، وخصوصًا القديس كليمنضس السكندري ومَن جاء بعده، التمييز بين «الصورة» و«الشبه» في تكوين ١: ٢٦.

بحسب هذا الفهم:

  • «الصورة» أُعطيت لكل إنسان عند الخلق، ولا يمكن أن يفقدها.
  • أما «الشبه» فهو نمو الإنسان المستمر ليصير أكثر شبهًا بالله، وذلك بعمل النعمة والجهاد الروحي.

هذا التمييز مفيد جدًا؛ لأنه يعني أن قيمتك قد ثبتت بالفعل، لكن رحلة نموك الروحي لم تكتمل بعد. كما يمنعنا من الخلط بين كرامة الإنسان ودرجة نموه الروحي.

فالقديس لا يملك قيمة أكبر من المجرم. لكن القديس أصبح أكثر شبهًا بالله الذي يحمل كلاهما صورته.

ثانيًا، يشترك الجسد أيضًا في هذه الكرامة.

واجه التقليد السكندري والقبطي فلسفات كانت تنظر إلى الجسد باعتباره سجنًا للنفس. ولذلك أكد أن الإنسان وحدة واحدة من الجسد والنفس، وأن الجسد يشترك في كرامة الإنسان، كما سيشترك في القيامة.

وهذا يفسّر:

  • لماذا تتعامل الكنيسة القبطية مع أجساد الراقدين بكل احترام.
  • لماذا تهتم الكنيسة برفات القديسين.
  • لماذا تكرّم الشهداء في رفات أجسادهم.

وهذا يفسّر أيضًا لماذا تبدو جوانب كثيرة من الأخلاق الطبية الحديثة غريبة عن هذا التقليد. فبعضها يتعامل مع الجسد كأنه مجرد مادة خام يمتلكها الإنسان الداخلي، الذي يُنظر إليه باعتباره الذات «الحقيقية».

سوف يشرح الفصل الخامس عشر هذا الموضوع بالتفصيل.

ثالثًا، اختُبرت كرامة الإنسان وسط الاضطهاد.

يبدأ التقويم القبطي من سنة ٢٨٤م، وهي السنة التي تولّى فيها دقلديانوس الحكم. ولذلك يُسمّى هذا التقويم «تقويم الشهداء».

هذه ليست معلومة تاريخية قديمة بلا أهمية. فالكنيسة التي يبدأ تقويمها بذكر الاضطهاد والاستشهاد لها علاقة خاصة بالإيمان بأن الله هو الذي يمنح الإنسان قيمته، وأن الدولة لا تستطيع أن تنزعها منه. لقد احتاجت الكنيسة القبطية إلى هذا الإيمان مرارًا عبر تاريخها.

وقد استمر هذا الاختبار حتى عصرنا الحديث.

في فبراير سنة ٢٠١٥، قُتل في ليبيا عشرون قبطيًا مصريًا ورجل غاني يُدعى ماثيو أياريغا، اختار أن يعلن انتماءه إليهم، وذلك بسبب إيمانهم.

ولا تتذكر الكنيسة القبطية استشهادهم فقط، بل تتذكر أيضًا موقف عائلاتهم، الذين أعلنوا خلال أيام قليلة أنهم يسامحون القتلة.

وظهر بشير كامل، شقيق اثنين من الشهداء، على التلفاز وشكر القتلة لأنهم أظهروا في الفيديو الذي صنعوه للدعاية اعتراف أخويه بإيمانهما.

واعترفت الكنيسة القبطية الأرثوذكسية بالواحد والعشرين باعتبارهم شهداء.

مهما قيل عن كرامة الإنسان، فهذا هو شكل هذا التعليم عندما يتعرض لأقصى ضغط:

إنه الاقتناع بأن القتلة لم ينجحوا في إنقاص قيمة الضحايا أو تحويلهم إلى لا شيء، وأن القتلة أنفسهم لم يخرجوا من دائرة رحمة الله.

كان قداسة البابا شنودة الثالث يعود باستمرار، في تعليمه وخدمته العامة، إلى موضوع قيمة الإنسان وواجب الكنيسة تجاه الفقراء والمرضى والمنسيين من المجتمع.

وكان يؤكد أن محبة الإنسان لله تظهر حقيقتها في طريقة معاملته للناس.

وهذا تلخيص للروح العامة لتعليمه، وليس اقتباسًا حرفيًا من كلماته.

تطبيق التعليم: مَن تشملهم كرامة الإنسان؟

من السهل أن نعلن أن كل إنسان يحمل صورة الله.

لكن كل فشل تاريخي في الأخلاق المسيحية حدث عند التطبيق، عندما أعاد الناس تصنيف جماعة معينة بهدوء، واعتبروها استثناءً من القاعدة.

لذلك يجب أن نذكر هذه الفئات بوضوح.

الرجال والنساء

تعلن آية تكوين ١: ٢٧ مساواة الرجل والمرأة في حمل صورة الله، في العبارة نفسها التي تعلن أن الإنسان خُلق على صورته.

ويعلن القديس بولس أنه في المسيح:

«لَيْسَ ذَكَرٌ وَأُنْثَى، لأَنَّكُمْ جَمِيعًا وَاحِدٌ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ»
(غلاطية ٣: ٢٨)

خدم السيد المسيح بطريقة أثارت دهشة كثيرين من معاصريه:

  • سافرت النساء معه ومع تلاميذه، وكنّ يقدّمن من أموالهن لدعم الخدمة (لوقا ٨: ١–٣).
  • علّم مريم التي من بيت عنيا كتلميذة تجلس عند قدميه، ودافع عن حقها في أن تكون هناك (لوقا ١٠: ٣٨–٤٢).
  • بقيت النساء عند الصليب بعدما ابتعد الرجال.
  • ظهر المسيح القائم أولًا للنساء، وأرسلهن ليخبرن الرسل بقيامته، مع أن شهادة المرأة في ذلك المجتمع لم تكن تتمتع بقوة قانونية كبيرة (يوحنا ٢٠: ١١–١٨؛ متى ٢٨: ١–١٠).

إن أي فهم للمسيحية يعامل النساء باعتبارهن أقل مكانة يحتاج إلى أن يفسّر لماذا رتّب الله أحداث القيامة بهذه الصورة.

يكرّم التقليد القبطي القديسة مريم فوق جميع المخلوقات، كما يكرّم عددًا كبيرًا من النساء القديسات، مثل:

  • الشهيدات دميانة، ومارينا، ودولاجي، وبربارة، وكاترين.
  • أمهات البرية سارة، وثيؤدورا، وسنكلتيكي، اللواتي حُفظت أقوالهن إلى جانب أقوال آباء البرية.
  • المكرسات، والشماسات في نهضة خدمة الشماسات الحديثة داخل الكنيسة القبطية.
  • النساء الكثيرات اللواتي علّمن الإيمان لمعظم الأقباط الموجودين اليوم؛ فالأمهات وخادمات مدارس الأحد هن اللواتي نقلن الإيمان إلى أجيال كثيرة.

لكن المساواة في الكرامة لا تحسم وحدها كل الأسئلة المتعلقة بالأدوار داخل الأسرة أو الكنيسة، ومن غير الأمانة أن نتظاهر بأنها تفعل ذلك.

فالكنيسة القبطية الأرثوذكسية، مثل الكنائس الأرثوذكسية الشرقية والكنيسة الكاثوليكية الرومانية، تقصر الكهنوت الأسراري على الرجال. وهي تفهم هذا الأمر باعتباره مرتبطًا بالرمز الأسراري والترتيب الرسولي، وليس بقيمة المرأة أو قدراتها.

ويرى كثير من المسيحيين البروتستانت، بإخلاص مماثل، أن هذا التفسير يخلط بين نظام ثقافي يعود إلى القرن الأول ومبدأ لاهوتي دائم. كما يرون أن العهد الجديد نفسه يقدّم أمثلة لنساء كنّ في مواقع قيادية، مثل فيبي ويونيا وبريسكلا، مما يشير في اتجاه مختلف.

سوف يناقش الفصلان الثامن عشر والثاني والأربعون حُجج الجانبين بصورة مناسبة.

لكن يجب تأكيد حقيقة أساسية هنا:

أي تفسير للكتاب المقدس ينسب إلى المرأة قيمة أقل، أو ذكاء أقل، أو مكانة أقل أمام الله، لا يتفق مع تكوين ١: ٢٧. وحيثما عُلّمت مثل هذه التفسيرات، كانت تحريفًا للتعليم المسيحي.

كما أن السؤال عن السماح للمرأة بخدمة المذبح منفصل تمامًا عن السؤال عن جواز الصراخ في وجهها، أو التحكم فيها، أو معاملتها بتعالٍ، أو ضربها.

وفي السؤال الأخير، إجابة الكنيسة واضحة ولا تحتاج إلى تعقيد.

العِرق والأصل القومي

قال القديس بولس لأهل أثينا إن الله:

«صَنَعَ مِنْ دَمٍ وَاحِدٍ كُلَّ أُمَّةٍ مِنَ النَّاسِ يَسْكُنُونَ عَلَى كُلِّ وَجْهِ الأَرْضِ»
(أعمال الرسل ١٧: ٢٦)

كان أول شخص أممي يقبل الإيمان في سفر أعمال الرسل قائدًا رومانيًا. وتطلّب الأمر رؤيا حتى يتغلب القديس بطرس على أفكاره السابقة، ثم أعلن بوضوح:

«بِالْحَقِيقَةِ أَنَا أَجِدُ أَنَّ اللهَ لاَ يَقْبَلُ الْوُجُوهَ، بَلْ فِي كُلِّ أُمَّةٍ، الَّذِي يَتَّقِيهِ وَيَصْنَعُ الْبِرَّ مَقْبُولٌ عِنْدَهُ»
(أعمال الرسل ١٠: ٣٤–٣٥)

كما اعتمد مسؤول في البلاط الإثيوبي على طريق صحراوي (أعمال الرسل ٨: ٢٦–٤٠). ولهذا النص أهمية خاصة داخل المسيحية الأفريقية.

كان ما يُسمّى «لعنة حام» من أكثر صور إساءة استخدام الكتاب المقدس ضررًا في تاريخ العلاقات بين الأعراق. فقد استُخدمت قرونًا طويلة لتقديم تبرير ديني لاستعباد الأفارقة.

ويجب أن نقول بكل وضوح إن هذا التفسير ليس مجرد تفسير قاسٍ، بل هو تفسير خاطئ للنص نفسه.

ففي تكوين ٩: ٢٠–٢٧:

  • وقعت اللعنة على كنعان، لا على حام.
  • لا يقول النص أي شيء عن لون البشرة.
  • كان الكنعانيون في القصة الكتابية شعبًا يعيش في منطقة بلاد الشام.
  • يهتم النص بوضوح بالعلاقة اللاحقة بين إسرائيل وكنعان.

لقد عُذّب النص وأُجبر على قول ما لا يقوله؛ لأن نظامًا يحقق أرباحًا كبيرة كان يحتاج إلى تبرير.

سوف يروي الفصل الثاني والثلاثون هذه القصة كاملة، بما في ذلك إخفاقات الكنيسة ومواقف المسيحيين الذين قاوموا العبودية.

وللأقباط خبرتهم الخاصة في المعاملة كأنهم فئة أقل قيمة، سواء في مصر خلال فترات مختلفة أو كمهاجرين في أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا.

وتضع هذه الخبرة عليهم مسؤولية.

فالجماعة التي تعرف ألم التمييز لا عذر لها إذا مارست الاحتقار تجاه الآخرين. ويمكن أن نجد هذا الاحتقار داخل بعض المجتمعات المسيحية في الشرق الأوسط كما نجده في أي مكان آخر:

  • تجاه الأفارقة.
  • تجاه أبناء جنوب آسيا.
  • تجاه العاملين في المنازل.
  • تجاه مسيحيين آخرين ينتمون إلى خلفية يعتبرها البعض «غير مناسبة».
  • تجاه الذين يتزوجون من خارج مجتمعهم.

إذا كانت الكنيسة المحلية تغضب بسبب التحيز ضد الأقباط، لكنها تتسامح مع التحيز الذي يمارسه بعض الأقباط ضد الآخرين، فهي لم تفهم التعليم الذي تعلنه في قانون الإيمان.

الإعاقة والمرض

عندما سأل التلاميذ السيد المسيح عن الخطية التي تسببت في ولادة رجل أعمى، رفض المسيح افتراضهم من الأساس (يوحنا ٩: ١–٣).

كان ينبغي لهذا أن ينهي بصورة دائمة الاعتقاد بأن الإعاقة عقاب أو علامة على غضب الله.

لكن هذا الاعتقاد لم ينتهِ. فما زال بعض المسيحيين يكررونه، أحيانًا بصورة مباشرة وقاسية، وأحيانًا بصورة أكثر هدوءًا، عندما يؤكدون أن كل إنسان يمكن أن ينال الشفاء إذا كان لديه إيمان كافٍ.

وبهذا يخبرون الشخص الذي تستمر إعاقته، بطريقة غير مباشرة، أن حالته ما زالت موجودة بسبب خطئه أو ضعف إيمانه.

يسبب هذا التعليم جروحًا عميقة للناس، وهو ليس تعليم الكنيسة.

يجب أن نتمسك بحقيقتين معًا، فنحن نحتاج إلى كلتيهما:

  • المرض والإعاقة من النتائج المؤلمة للفساد الذي دخل إلى الخليقة. ومن الصواب أن نقاومهما، ونعالجهما، ونصلي من أجل الشفاء.
  • وفي الوقت نفسه، لا يكون الشخص صاحب الإعاقة أقل في حمل صورة الله، أو أقل قدرة على القداسة، أو أقل قيمة من أي إنسان آخر.

إنكار الحقيقة الأولى يحوّل حديثنا إلى عاطفة غير واقعية، وإنكار الحقيقة الثانية يحوّله إلى احتقار للإنسان.

الاختبار العملي للكنيسة المحلية لا يظهر فقط في العقائد التي تؤمن بها، بل في الأشياء التي أعدّتها لخدمة الناس.

  • هل يستطيع مستخدم الكرسي المتحرك دخول الكنيسة؟
  • هل توجد خدمة مناسبة للطفل المصاب بالتوحّد، أم تُترك أسرته وحدها في آخر الكنيسة لتحاول التعامل مع الموقف؟
  • عندما يريد شخص لديه صعوبات في التعلّم أن يخدم، هل يجد دورًا حقيقيًا، أم يحصل فقط على تأجيل مهذّب لا ينتهي؟
  • هل يُسمح للشماس الذي يتلعثم أن يقرأ في الكنيسة؟

يناقش الفصل العاشر سؤالًا أكثر صعوبة ظهر بسبب فحوص الأجنّة قبل الولادة.

يستطيع المجتمع أن يعبّر عن حكمه على قيمة حياة الأشخاص ذوي الإعاقة من دون أن يقول كلمة واحدة، وذلك من خلال أنواع الحمل التي يقترح بصورة معتادة إنهاءها.

الأجنّة قبل الولادة

هذه من أكثر تطبيقات الأخلاق الحديثة إثارة للخلاف، وسوف يخصّص لها الفصل السابع مناقشة كاملة.

لكن توجد هنا نقطتان مهمتان:

أولًا، مهما تكن الخلافات الحالية، كانت الكنيسة الأولى متفقة وواضحة في إدانة الإجهاض والتخلّي عن الأطفال بعد ولادتهم، في مجتمع كان يعتبر الممارستين قانونيتين وطبيعيتين.

ثانيًا، إن السؤال عن كون الجنين حاملًا لصورة الله هو بالضبط سؤال: «مَن الذي نعتبره إنسانًا كامل القيمة؟»

ولهذا لا يُعد النقاش حول الإجهاض قضية جانبية، بل هو اختبار مباشر لمبدأ كرامة الإنسان.

لكن المسيحيين الذين يهتمون بحياة الجنين قبل ولادته، ثم لا يهتمون بحياة الإنسان بعد ولادته، لم يفهموا هذا التعليم هم أيضًا.

فالاهتمام بالجنين يجب أن يصاحبه اهتمام:

  • بالأم التي تمر بأزمة.
  • بالطفل الذي يعيش في الفقر.
  • بالأسرة التي ترعى طفلًا لديه إعاقة.

إن الالتزام الحقيقي بالمبدأ يجب أن يمتد في كل اتجاه ويشمل الجميع.

كبار السن

تتوجه الوصية الخامسة (خروج ٢٠: ١٢) في الأساس إلى البالغين بخصوص رعاية والديهم المتقدمين في السن. وهي ليست مجرد وصية موجّهة إلى الأطفال الصغار لكي يرتبوا غرفهم ويطيعوا والديهم.

جاءت هذه الوصية في مجتمع لم تكن فيه معاشات لكبار السن، ولم تكن لهم حماية سوى عائلاتهم.

ويقول القديس بولس:

«وَإِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يَعْتَنِي بِخَاصَّتِهِ، وَلاَ سِيَّمَا أَهْلُ بَيْتِهِ، فَقَدْ أَنْكَرَ الإِيمَانَ، وَهُوَ شَرٌّ مِنْ غَيْرِ الْمُؤْمِنِ»
(تيموثاوس الأولى ٥: ٨)

كما يبدأ الإنجيل بشخصين متقدمين في السن، هما سمعان وحنة، وقد كانا من أوائل الذين تعرّفوا إلى المسيح المنتظر، بعدما انتظراه معظم حياتهما.

إن المجتمع الذي يقيس قيمة الإنسان بمقدار إنتاجه سيقلل بالضرورة من قيمة كبار السن.

وقد يفعل ذلك من دون إصدار قانون أو إعلان رسمي، بل بمجرد بناء مجتمع يصبح من الصعب عليهم العيش فيه:

  • مجتمع يتحرك بسرعة شديدة.
  • يعتمد على الشاشات والتكنولوجيا.
  • تتفرق فيه العائلات بين قارات مختلفة.
  • تُقدّم فيه الرعاية خلال زيارات لا تتجاوز خمس عشرة دقيقة.

سوف يناقش الفصل الثاني عشر القرارات المتعلقة بنهاية الحياة. لكن القضية التي نتحدث عنها هنا تسبق هذه القرارات.

فجزء كبير من الضغط نحو الموت بمساعدة الآخرين يأتي من كبار السن الذين اقتنعوا بأنهم أصبحوا عبئًا على غيرهم.

لكن المجتمع هو الذي علّمهم هذا الاعتقاد.

المسجونون

يذكر السيد المسيح المسجون بوضوح في حديثه عن الدينونة (متى ٢٥: ٣٦).

كما تقول الرسالة إلى العبرانيين:

«اُذْكُرُوا الْمُقَيَّدِينَ كَأَنَّكُمْ مُقَيَّدُونَ مَعَهُمْ»
(عبرانيين ١٣: ٣)

لقد دخل يوسف وإرميا وبطرس وبولس السجن، وكُتب جزء كبير من العهد الجديد أثناء وجود كاتبيه في السجن أو تحت الحراسة.

قد يفقد الإنسان حريته بسبب حكم عادل، لكنه لا يستطيع أن يفقد إنسانيته.

هذا التمييز هو أساس جميع المناقشات الموجودة في الفصل الحادي والثلاثين عن العقوبة، وأوضاع السجون، والتعذيب، وعقوبة الإعدام.

وله أيضًا تطبيق عملي مباشر قد لا يبدو جذابًا أو مثيرًا للاهتمام: زيارة المسجونين عمل من أعمال الرحمة الجسدية، ومع ذلك لا تنظّمها تقريبًا أي كنيسة محلية، رغم أن عددًا كبيرًا من الناس يستطيعون المشاركة فيها.

اللاجئون والمهاجرون

للكنيسة القبطية ارتباط خاص بهذا الموضوع.

فبعد أحداث الإنجيل نفسها، تُعد زيارة العائلة المقدسة لمصر من أهم القصص في المسيحية المصرية. لقد جاءت العائلة المقدسة إلى مصر كلاجئين هاربين من مذبحة (متى ٢: ١٣–١٥).

ويتتبع التقليد القبطي مسار رحلة العائلة المقدسة داخل مصر، ويكرّم الأماكن التي مرّت بها. كما تحتفل الكنيسة كل عام بعيد دخول السيد المسيح أرض مصر.

يكرّم الأقباط المسيح باعتباره طفلًا لاجئًا.

وهذه ليست مجرد صورة مجازية نستخدمها أحيانًا في الخطابات، بل هي جزء أساسي من الهوية المسيحية المصرية.

يأمر العهد القديم بالاهتمام بالغريب المقيم بين الشعب، ويربط هذا الأمر بذكرى إقامة شعب إسرائيل غرباء في مصر:

«وَإِذَا نَزَلَ عِنْدَكَ غَرِيبٌ فِي أَرْضِكُمْ فَلاَ تَظْلِمُوهُ. كَالْوَطَنِيِّ مِنْكُمْ يَكُونُ لَكُمُ الْغَرِيبُ النَّازِلُ عِنْدَكُمْ، وَتُحِبُّهُ كَنَفْسِكَ، لأَنَّكُمْ كُنْتُمْ غُرَبَاءَ فِي أَرْضِ مِصْرَ»
(لاويين ١٩: ٣٣–٣٤)

كما وضع السيد المسيح الغريب ضمن الأشخاص الذين تقوم على معاملتهم الدينونة.

يجب أن نتعامل مع هذه النقطة بحرص؛ لأن المبدأ الأخلاقي يُستخدم أحيانًا لإغلاق نقاش سياسي حقيقي قبل أن يبدأ.

يُلزم الكتاب المقدس المسيحيين بأن:

  • يعاملوا المهاجرين واللاجئين كأشخاص يحملون صورة الله.
  • يحموهم من الاستغلال والقسوة.
  • يتعاملوا معهم بكرم.

لكن الكتاب المقدس لا يحدّد بنفسه عددًا معينًا من المهاجرين يجب على كل دولة قبوله.

وقد يختلف المسيحيون حسنو النية حول:

  • الأعداد المناسبة.
  • حماية الحدود.
  • اندماج المهاجرين داخل المجتمع.
  • الحدود العملية لقدرة أي دولة على الاستقبال والرعاية.

سوف يناقش الفصلان الثلاثون والثاني والثلاثون هذه الخلافات.

لكن الأمر الذي لا يمكن الاختلاف عليه هو القيمة الأخلاقية للإنسان نفسه.

يمكنك أن تناقش سياسات الهجرة، لكن لا يجوز لك أن تتحدث عن البشر كأنهم وباء أو أسراب من الحشرات.

 
 
 

 

 

 

 

Add comment

Comments

There are no comments yet.